المودودي الدود : السياسة السعودية وزعزعة الاستقرار في المنطقة العربية - صوت الوحدة

المودودي الدود : السياسة السعودية وزعزعة الاستقرار في المنطقة العربية

قراءة تاريخية في مواجهة حركات التحرر والتحول الديمقراطي

في الرابع عشر من يوليو 1958 لم يكن ما جرى في بغداد مجرّد انقلاب عسكري أطاح بالملكية الهاشمية في العراق، بل لحظة تأسيسية لهواجس إقليمية عميقة. في ذلك اليوم رأت السعودية ومعها ملكيات المنطقة شبحًا سياسيًا جديدًا إمكانية سقوط الملكيات باسم الشعب. منذ تلك اللحظة لم تعد السياسة الإقليمية السعودية تُدار فقط وفق منطق المصالح والتحالفات بل وفق هاجس أكثر جذرية منع انتقال المثال.

الخوف من المثال:

ليس مبالغة القول إن السعودية بنت جانبًا كبيرًا من سياساتها الإقليمية على قاعدة واحدة ثابتة أي تجربة تُظهر أن الشعوب قادرة على إسقاط نظام حكم أو إخضاع السلطة للمساءلة تمثل خطرًا وجوديًا يجب احتواؤه أو إجهاضه.

بهذا المنطق عارضت الرياض سقوط الملكية في العراق وواجهت الثورة الإيرانية لا فقط لأسباب مذهبية لاحقة بل لأن جوهرها كان إسقاط نظام ملكي. وبالمنطق ذاته رفضت التحول الجمهوري في أفغانستان بعد إسقاط الملك ودخلت في صراع مفتوح مع اليسار في اليمن بعد سقوط الحكم الإمامي وقيام مشروع تحرري راديكالي في الجنوب. القضية هنا لم تكن أيديولوجية بحتة بل رمزية سياسية إذا سقطت الملكية هناك فقد تصبح قابلة للسقوط هنا. لكن هذا الخوف لم يكن معزولًا بل جرى تنظيمه وتحصينه ضمن تحالفات دولية كبرى منحت السياسة السعودية غطاءً وحصانة مقابل أداء دور إقليمي محدد.

تحالف السعودية مع القوى الاستعمارية:

لم يكن هذا السلوك السياسي ممكنًا لولا شبكة تحالفات دولية صلبة ربطت السعودية بالقوى الاستعمارية التقليدية ثم بالهيمنة الغربية الحديثة. فمنذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة تشكّل عقد غير مكتوب بين الرياض من جهة وبريطانيا ثم الولايات المتحدة من جهة أخرى الحماية السياسية والعسكرية للنظام الملكي مقابل أداء دور وظيفي في الإقليم.

في الأرشيف البريطاني تُوصَف السعودية منذ الأربعينيات بأنها حليف موثوق للاستقرار في مواجهة القومية العربية والتحرر الوطني. وبعد الحرب العالمية الثانية ورثت الولايات المتحدة هذا الدور فباتت المملكة ركيزة النظام الإقليمي المحافظ خلال الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفيتي وحلفائه ثم لاحقًا في مواجهة أي مسار ديمقراطي غير مُتحكَّم به.

لم تكن السعودية مجرد حليف بل منفّذ محلي لأجندات كبرى
موّلت حروب الوكالة بدل خوضها مباشرة
تولّت الحرب الأيديولوجية عبر الدين بدل الجيوش
استخدمت المال السياسي حيث تعجز القوة العسكرية

في أفغانستانً أدّت دور الخزينة المفتوحة للحرب الباردة فيما تولّت واشنطن السلاح والاستخبارات.
وفي اليمن والسودان وسوريا لعبت دور الضابط الإقليمي الذي يمنع صعود قوى تحررية أو ديمقراطية قد تخرج عن السيطرة الغربية.

هذا التحالف لم يكن مجانيًا.
في المقابلً ضمنت السعودية: تحصين نظامها من أي ضغط ديمقراطي جدي
غضّ الطرف عن غياب المشاركة السياسية
حماية عسكرية مباشرة عند الحاجة

وبهذا المعنى لم تكن معاداة السعودية لحركات التحرر انحرافًا عن التحالف الغربي بل جوهر وظيفتها داخله. فالقوى الاستعمارية لا تحتاج حلفاء ديمقراطيين بقدر ما تحتاج أنظمة مستقرة قابلة للضبط وتؤدي الدور المطلوب دون مساءلة شعبية

اليسار العدو الذي لا يمكن احتواؤه:

إذا كان إسقاط الملكيات خطرًا رمزيًا فإن الحركات اليسارية شكّلت خطرًا بنيويًا أعمق. فهي لم تطرح تغيير رأس السلطة فحسب بل أعادت تعريف الدولة ذاتها مواطنة بدل رعايا وعدالة اجتماعية بدل ريعية وسياسة بدل قداسة.

لهذا السبب فضّلت السعودية التحالف مع قوى دينية محافظة قادرة على مواجهة اليسار دون أن تمسّ جوهر النظام الاجتماعي وعلى رأسها الإخوان المسلمون. كان التحالف وظيفيًا لا مبدئيًا محكومًا بسؤال واحد من يوقف المدّ القومي واليساري؟

صناعة الفوضى في أفغانستان:

بلغ هذا التوظيف ذروته في الثمانينيات حين تحولت أفغانستان إلى مختبر مفتوح للحرب الباردة. بتمويل سعودي وغطاء أمريكي من الولايات المتحدة جرى تحويل الجهاد إلى أداة جيوسياسية.
الأرشيفات الغربية المرفوعة عنها السرية تؤكد أن السعودية كانت العمود الفقري المالي لهذه الحرب فيما وُلد من رحمها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن. لم تُبنَ دولة أفغانية بل صُنعت شبكة عنف عابرة للحدود جرى استنساخها لاحقًا في أكثر من ساحة عربية.

اليمن والسودان وسوريا:

في اليمن استُخدمت الجماعات السلفية والجهادية لتصفية الخصوم السياسيين لا لبناء دولة. فكانت النتيجة تفكيك المجتمع وإضعاف المؤسسات ثم حرب مفتوحة تُدار بالوكالة.

وفي السودان تحوّل الصراع على المواطنة والعدالة إلى حرب هوية جرى تغذيتها سياسيًا وماليًا. وبعد ثورة 2019 دعمت السعودية انقلاب المجلس العسكري على الحكومة الانتقالية ثم واصلت دعم الجيش بعد حرب 15 أبريل باعتباره الاستقرار الممكن ولو على أنقاض الدولة.

أما في سوريا فقد جرى إفراغ الثورة الشعبية من مضمونها السياسي ودُفعت الساحة نحو العسكرة وصعود الجماعات الجهادية فتحطمت الثورة والدولة معًا.

بعد 2011 ومع تراجع فاعلية الإسلام السياسي كأداة مضمونة، انتقلت السعودية إلى دعم الأنظمة العسكرية مباشرة. في مصر كان دعم الحكم العسكري رسالة واضحة بأن الصندوق لا يحكم. وفي تونس جرى الاحتواء لمنع انتقال ديمقراطي كامل. الأداة تغيّرت لكن الهدف بقي ثابتًا إغلاق المجال السياسي ومنع تشكّل نموذج ديمقراطي عربي ناجح.

من الأرشيف:

هذه القراءة لا تقوم على رأي إنشائي، بل على شواهد موثقة أرشيفات الخارجية البريطانية والأمريكية تصف السعودية منذ الخمسينيات بأنها ركيزة الاستقرار الملكي المحافظ وثائق الحرب الباردة تكشف دورها المالي المركزي في أفغانستان. وبرقيات ويكيليكس تُظهر بوضوح لغة خوف من عدوى الشارع وتفضيلًا ممنهجًا للعسكر على التحول الديمقراطي.

في المحصلة ما يجمع أفغانستان واليمن والسودان وسوريا ليس سوء الحظ، ولا تعقيد الشرق بل سياسة واضحة خافت من الديمقراطية أكثر مما خافت من الخراب. سياسة رأت في كل ثورة مرآةً محتملة وفي كل انتقال ديمقراطي عدوى يجب عزلها ولو كان الثمن دولًا محطمة ومجتمعات مكسورة.

لقد تغيّرت الأدوات من الدين إلى الجهاد ومن الإسلام السياسي إلى الدبابة. لكن الهدف لم يتغير إغلاق السياسة ومنع الشعوب من أن ترى مثالًا ناجحًا خارج بيت الطاعة.

التاريخ لا يُحاسب الأنظمة على نواياها المعلنة بل على نتائجها.
والنتيجة هنا واضحة استقرار بلا عدالة وسلطة بلا شرعية ومنطقة تُدار بالخوف بدل السياسة.

أخطر ما في الخوف من المثال أنه لا يحمي نظامًا بل يحوّل الإقليم بأكمله إلى مثال للفشل.

إرسال التعليق

لقد فاتك