سارة السعيد : من اليمن إلى السودان: كيف يدخل البحر الأحمر مرحلة التصعيد المُدار - صوت الوحدة

سارة السعيد : من اليمن إلى السودان: كيف يدخل البحر الأحمر مرحلة التصعيد المُدار

لا تمثّل التطورات الأخيرة في السودان واليمن وعموم حوض البحر الأحمر تعديلات تكتيكية معزولة أو مناورات دبلوماسية قصيرة الأمد. بل تعكس هذه المتغيرات تحوّلاً بنيوياً أعمق في كيفية إعادة تموضع الفاعلين الإقليميين داخل نظام استراتيجي بات أكثر ازدحاماً وتعقيداً من ذي قبل. ما نشهده اليوم ليس تصعيداً بالمعنى الكلاسيكي، ولا هو تهدئة حقيقية، وإنما إعادة معايرة باتجاه مرحلة من التصعيد المُدار؛ المرحلة التي يسعى فيها اللاعبون إلى تحسين مواقعهم، وتقليص انكشافهم، والحفاظ على أوراق الضغط دون دفع الصراع إلى نتائج خارجة عن السيطرة.

وهنا يجب فهم إعلان الإمارات العربية المتحدة إنهاء وجودها العسكري الرسمي في اليمن ضمن هذا الإطار. فهو لا يشير إلى انسحاب أو إنهاك استراتيجي أو تخلي عن الساحة. بل يمثّل انتقالاً مدروساً من الانتشار العسكري الظاهر إلى أنماط غير مباشرة من السيطرة، طوّرتها الإمارات على مدى العقد الماضي: نفوذ يُمارَس عبر البنية التحتية البحرية، وشبكات اللوجستيات، والشركاء المحليين، والرافعات المالية، والترتيبات الأمنية التي تعمل تحت عتبة التدخل الرسمي. هذا النهج يقلّص الكلفة السياسية، مع الحفاظ على الامتداد الاستراتيجي، لا سيما على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن، حيث أثبت التحكم في العقد والممرات أنه أكثر ديمومة من السيطرة على الأرض.

في المقابل، تدخل السعودية مرحلة مختلفة نسبياً، تتسم بوضوح أعلى وتحمّل أقل للمخاطر. فالمملكة تظل مكشوفة بنيوياً لما يجري على السواحل الغربية والجنوبية لليمن، خاصة في ظل استمرار الهشاشة البحرية وبقاء مضيق باب المندب عرضة للاضطراب. ومن ثم، ينبغي قراءة التحركات السعودية الأخيرة قرب المكلا وحضرموت كجزء من مسعى أوسع لمنع ترسّخ فاعلين مسلحين—سواء كانوا إسلاميين، أو ذوي نزعة استقلالية، أو مرتبطين بقوى خارجية—قرب نقاط النفاذ الساحلي التي يمكن توظيفها لاحقاً ضد حركة الملاحة في البحر الأحمر أو ضد العمق الاستراتيجي السعودي.

هذا التباين في المقاربات التكتيكية غذّى تكهنات عديدة حول تصدع سعودي–إماراتي. غير أن هذه القراءة تُبالغ في تقدير الخلاف. فما يحدث ليس انهياراً في التنسيق، بل تمايزاً وظيفياً في الأدوار تمليه قيود استراتيجية مختلفة. السعودية تركّز على الأحزمة الجغرافية، واستقرار الأنظمة، واحتواء التهديدات المباشرة. أما الإمارات فتعطي الأولوية للمرونة، والإنكار القابل للتصديق، والسيطرة الشبكية. لولهه قد تبدو هذه المقاربات متناقضة ظاهرياً، لكنها تظل متوافقة ضمن هدف مشترك: منع أي فاعل معادٍ من تحويل التفكك الإقليمي إلى هيمنة مستقرة.

في هذا السياق، يحتل السودان موقعاً محورياً في عملية إعادة المعايرة الجارية. فخلال الشهرين الماضيين، تجاوز الصراع فيه مسألة السيطرة على السلطة المركزية، ليصبح تنافساً على الممرات، وسلاسل الإمداد، وتدفقات الموارد، ونقاط النفاذ الخارجية. لا القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع في موقع يسمح لهما بتحقيق نصر حاسم. وبدلاً من ذلك، تفرز الحرب بيئة مجزأة، تتعلّق فيها السلطة بالحركة لا بالمؤسسات، وتتراكم فيها القوة لدى الفاعلين القادرين على العمل أفقياً عبر الحدود والأسواق والمجتمعات. هذا التحوّل البنيوي يصب في مصلحة الفاعلين الشبكيين على حساب الهياكل الهرمية، بصرف النظر عن شرعيتهم الرسمية.

بالنسبة للقوى الخارجية، لم يعد السودان مسألة إعادة بناء دولة مركزية موحّدة في الأمد القريب شأناً أولياً، بل مسألة إدارة المخاطر. فالهواجس الأساسية تتمثل في منع ترسخ وجود بحري روسي على البحر الأحمر، والحد من الانتشار غير المنضبط للسلاح عبر الساحل والصحراء، وتجنّب نشوء سلطة ساحلية مستقلة معادية للملاحة، واحتواء آثار التفكك الممتد. وفي هذا الإطار، ينبغي قراءة خطاب مصر الأخير حول “الخطوط الحمراء”. فقلق القاهرة الأساسي لا يتعلق بمصير الخرطوم كعاصمة، بقدر ما يرتبط بتآكل العمق الاستراتيجي على امتداد وادي النيل والجناح الغربي للبحر الأحمر.

أما التكهنات بشأن سعي إثيوبيا إلى منفذ بحري عبر السودان، فهي تعكس المنطق نفسه القائم على الممرات. صحيح أن ترتيباً رسمياً لمنفذ إثيوبي عبر السودان يظل غير مرجح على المدى القريب، لكن الضغوط البنيوية التي تدفع أديس أبابا للبحث عن منفذ بحري حقيقية ومتزايدة. وما يمنع ترجمة هذه الضغوط إلى مواجهة عسكرية ليس التوافق، بل شبكة القيود المتمثله في الرفض الإريتري، والحساسية المصرية، وتحفّظ دول الخليج، والتقلّب البنيوي في السودان نفسه. اما في الوقت الراهن، يمتص النظام هذه التوترات عبر تأجيل الحسم بدلاً من فرض القطيعة.

وعبر كامل حوض البحر الأحمر، يبرز نمط ثابت وهو ان لا أحد يسعى إلى تصعيد غير منضبط، لكن لا أحد مستعد للتخلي عن أرضية استراتيجية. فالولايات المتحدة لا تحاول فرض تسوية شاملة أو إعادة هندسة النظام الإقليمي. أولوياتها ضيقة ومحددة تتمثل في : حرية الملاحة، واحتواء الوجود البحري المعادي، ومنع تبلور هيمنة استراتيجية لقوى معاديه. وهذا يخلق بيئة متسامحة مع التفكك طالما ظل قابلاً للإدارة.

خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة، المسار الأرجح ليس انفجاراً إقليمياً، بل ترسيخاً لعدم الاستقرار المُدار. سيواصل اليمن إعادة التموضع بدلاً من إعادة التوحيد. وسينزلق السودان أكثر نحو تكوين شبكي، مع ترسّخ مناطق نفوذ فعلية دون اعتراف رسمي. وستكثّف مصر الإشارات الدبلوماسية والتنسيق الأمني دون الانزلاق إلى تدخل مباشر. وستشدّد السعودية قبضتها على محيطها المباشر مع تجنب العودة إلى حرب واسعة. أما الإمارات فستواصل ترسيخ نفوذها بهدوء عبر الأدوات البحرية والاقتصادية واللوجستية بدلاً من القوة العلنية.

هذا المسار ليس فشلاً في الاستراتيجية، بل استراتيجية متكيفة مع نظام لم يعد يكافئ الحسم. فالـبحر الأحمر يتحول إلى منطقة مفصلية في سيولة النظام العالمي، حيث لا تُنتَج الاستقرار عبر النظام، بل عبر التكيّف المستمر. وفي مثل هذه البيئة، قد تكون الانسحابات تقدماً، وقد يعمل ضبط النفس كرافعة نفوذ، وتغدو الضبابية نفسها شكلاً من أشكال القوة.

وبهذا يمكن القول بان الخطر الحقيقي لا يكمن في تصعيد مفاجئ، بل في التراكم المفرط. فكلما ازدحم المزيد من الفاعلين في الممرات نفسها بمصالح متداخلة وغير منسّقة، تقلّص هامش الخطأ. ولا يزال خطأ واحد—بحري أو سياسي أو عسكري—كفيلاً بإطلاق سلسلة تفاعلات لا يريدها أحد. لكن حتى الآن، يصمد النظام، لا لأنه مستقر، بل لأن جميع الأطراف تفضّل التفكك المُتحكَّم فيه على الانهيار غير القابل للاحتواء.

إرسال التعليق

لقد فاتك