عزيز الدودو : الخليفة عبدالله التعايشي : القائد الذي إغتالته أقلام المخابرات البريطانية
لا يخفى على أي قارئ للتاريخ أن صفحاته لا تخلو من مناطق ظلّ طالها التشويه، خاصة عندما تُكتب بروايات المنتصر. ومن بين أكثر الشخصيات التي ظُلمت في السردية التاريخية السائدة هو الخليفة عبدالله التعايشي، ذلك القائد الذي حُشر في زاوية الضدّ من التاريخ، بينما كان في الحقيقة تجسيداً للروح النضالية السودانية في مواجهة أعتى قوى الاستعمار.
لقد تولى الخليفة عبدالله قيادة الدولة المهدية في لحظة حرجة، إثر رحيل الإمام المهدي، فورث تركة ثقيلة من التحديات الداخلية والخارجية. لم يكن الحكم مجرد منصب، بل كان عبئاً ثقيلاً ومسؤولية أكثر أهمية في الحفاظ على كيان دولة ناشئة تحيط بها الأطماع من كل جانب. ومع ذلك، استطاع بحنكته أن يحافظ على استقرار الدولة ويواصل مسيرة البناء، معززاً الزراعة والتجارة، ساعياً لتحسين أوضاع المواطنين في وقت كانت الأطماع الاستعمارية تتربص بالمنطقة.
لكن اللافت، وبشكل يستدعي التأمل والنقد، هو الحملة الشرسة التي تعرضت لها سمعته كقائد وسياسي. لقد عملت آلة التشويه الاستعمارية، وبوعي كامل، على طمس إنجازاته وتضخيم أخطائه، مستخدمة في ذلك أقلاماً محسوبة لجهاز المخابرات البريطانية، مثل نعوم شقير وسلاطين باشا، بعضها محلي وموالٍ للمستعمر، وغيرهم ممن حولوا التاريخ إلى أداة لخدمة أجندة المستعمر. لقد قدّموا صورة مشوّهة عن الرجل، صورت مقاومته للغزو كتمرد همجي، وحكمه على أنه مرحلة فوضى، متجاهلين تماماً السياق التاريخي والمعارك الضارية التي خاضها ضد قوى استعمارية طامعة في خيرات البلاد.
إن ما نحتاجه اليوم هو قراءة جريئة تزيح غبار التشويه عن تاريخ هذا الرجل. إنصاف الخليفة عبدالله التعايشي لم يعد مجرد استعادة لعدالة تاريخية فحسب، بل هو ضرورة وطنية لفهم جذورنا وهويتنا. إنه جزء من مقاومة ثقافية ضد رواية واحدة مهيمنة، وتمهيد الطريق للأجيال الجديدة كي تقرأ تاريخها بمنظور نقدي، يتحرر من رواسب المرحلة الاستعمارية وأكاذيبها.
فليس من الإنصاف أن نحكم على رجل قاد أمة في أحلك ظروفها بمعايير اليوم، أو من خلال روايات خصومه. الخليفة عبدالله التعايشي كان رجل زمانه وظروفه، وقاد معركة وجود كانت تهدف إلى الحفاظ على هوية الأمة واستقلالها. وإنصافه يبدأ بإعادة قراءة تاريخه بعين موضوعية، متحررة من وصاية المستعمر، لاستخلاص الدروس والعبر، ورد الاعتبار لرجل قدّم للسودان روحه وجهاده.



إرسال التعليق