سارة السعيد : تحت الرماد |السعودية وترامب ومحور قوة البحر الأحمر: لماذا أصبح السودان اليوم المحدد لشكل النظام الدولي
تمثّل الزيارة السعودية إلى واشنطن، وما صاحبها من لقاء بين ولي العهد السعودي والرئيس دونالد ترامب، محطة حاسمة في إعادة ترتيب معادلات القوة الإقليمية. وعلى الرغم من الرمزية البروتوكولية للحدث، فإن أهميته الحقيقية تكمن في ما أدركه الطرفان بوضوح: أن البحر الأحمر أصبح المحور المركزي لاستراتيجياتهما، وأن السودان بات نقطة الارتكاز التي يُعاد عبرها تشكيل هذا المحور.
يأتي اللقاء في سياق دولي يتّسم بتسارع التشظّي البنيوي: اضطرابات البحر الأحمر، إرهاق البحرية الأميركية، محاولات روسيا لتثبيت وجود بحري دائم، توطيد الصين لموقعها في جيبوتي، وتوسّع البنية اللوجستية لدول الخليج. في هذا المشهد، لم يعد هدف واشنطن والرياض هو «استقرار الإقليم»، بل إدارة الضغوط النظامية التي تُعيد رسمه بصورة مستمرة. وهنا يتقدّم السودان إلى مركز المعادلة.
بالنسبة للسعودية، لم يعد البحر الأحمر مجرد امتداد جغرافي؛ بل خط الدفاع الأول والعمود الفقري لاقتصادها ومجال نفوذها الدولي. السيطرة على الممرات البحرية، وشراكات الموانئ، وشبكات الربط التجاري أصبحت مساوية في أهميتها للتحالفات السياسية التقليدية. وتدرك الرياض أن انزلاق السودان نحو الانهيار لا يشكّل «أزمة أفريقية»، بل تهديداً مباشراً لتجارة الشرق–الغرب، وأمن الطاقة، وحسابات النفوذ الخليجي.
أما إدارة ترامب، فتنظر إلى البحر الأحمر من منظور مختلف: بوصفه ساحة لاختبار قدرة الولايات المتحدة على إعادة تشكيل حجم تعرّضها الاستراتيجي دون أن تتحمّل كلفة بناء نظام دولي جديد. ومن هذا المنظور، يصبح انهيار السودان مسألة تتجاوز البُعد الإنساني، لتتحول إلى متغير بنيوي قد يسمح لخصوم واشنطن بالتموضع على ممر بحري لا يمكن للولايات المتحدة التفريط فيه.
ويجمع الطرفان على حقيقة جوهرية: السودان هو الدولة الوحيدة التي يمكن لتحولاتها الداخلية إعادة تشكيل الإقليم بأسره فوراً. فالمساعي الروسية لقاعدة بحرية، والتنافس السعودي–الإماراتي على الموانئ، القلق المصري، الحسابات البحرية الإثيوبية، والتنافس الإيراني–الإسرائيلي— كلها تتقاطع في مساحة جغرافية واحدة على الساحل السوداني. فالسودان اليوم ليس ساحة صراع محلي؛ بل عُقدة تلتقي عندها أنظمة خارجية متنافسة.
وهذا هو جوهر ما توضحه نظرية الانهيار النظامي (SCT): عالم لم يعد يُدار عبر بناء النظام، بل عبر إدارة التشظّي واستثماره كأداة للقوة. والسودان يجسّد هذا المنطق بالكامل؛ فكل قوة تريد نظاماً مضطرباً بما يكفي لتوجيهه، دون أن يصل إلى درجة الانهيار التي تجعله عديم الجدوى. وهكذا يتحوّل البحر الأحمر إلى ممر مثقل بضغوط خارجة عن قدرة دولة واحدة على احتوائها.
إن اجتماع الرياض وواشنطن يشير إلى إدراك مشترك بأن السنوات المقبلة لن تتحدد عبر التحالفات وحدها، بل عبر القوة البُنيوية: الموانئ، الممرات، المعادن، سلاسل الإمداد، والمخاطر البحرية. ولهذا، لم يعد السودان موضوعاً للتسوية الداخلية بقدر ما أصبح متغيراً استراتيجياً في تشكيل النظام الدولي.
السؤال الآن: هل ستتمكن واشنطن والرياض من احتواء الموجات الارتدادية التي تطلقها الأزمة السودانية؟ أم سيظل السودان نقطة ارتكاز تتراكم عندها الضغوط النظامية إلى أن تعيد تشكيل البحر الأحمر بأكمله؟
تحت الرماد: السودان لم يعد هامشاً.
بل مفصل النظام — ومن يدرك طبيعة هذا المفصل، يمتلك القدرة على التأثير في شكل الجغرافيا السياسية المقبلة.



إرسال التعليق