أحمد إسماعيل: ملكال… مدينة في الخاطر - صوت الوحدة

أحمد إسماعيل: ملكال… مدينة في الخاطر

ترقد مدينة ملكال على الضفة الشرقية للنيل، في حضن منخفض وعلوٍ يمتدان من ضاحية حي «بم» شمالاً حتى حي المطار جنوباً، مع امتداد طفيف نحو الغرب. تربتها الطينية الداكنة، الخصبة، الناعمة والخشنة في آنٍ معاً، تبدو كأنها سمادٌ في باطن الأرض. تتزين شواطئ ملكال بسحرٍ حالم، يكسوها وشاح النضارة والطبيعة والنيل، وتفترش باحاتها الأطلال والمشاهد الخلابة التي يعجز اللسان عن وصفها.

مدينة تتوهج عند الأصيل بخمائلها الفيحاء ومناظرها الرقراقة، وتتميز بمناخ معتدل وجغرافيا فريدة ونيل عذب. عند الاقتراب من الشاطئ تسمع خرير المياه تنساب بهدوء، فيما يعلو عشب النيل الأخضر سطح الماء ويمتد مع التيار نحو الشمال. وعلى الضفاف يتردد صدى الأشجار الباسقات كأنها مزامير تصدح طلباً للغيث.

تحفّ بالشاطئ أشجار الماهوغني والتيك واللبخ والدليب والدوم والنيم والقرض والطلح، إلى جانب أشجار الفاكهة؛ من المانجو والبرتقال والجوافة والليمون، فضلاً عن البساتين الخاصة والعامة التي تحتضن الخضروات والثمار.

الناظر إلى النيل جنوباً وشمالاً يراه كخيوط هندسية تومض بالجمال، مستقيمةً حيناً ومتعرجةً حيناً آخر، تتراقص على صفحته بياضات الفجر الأولى. وفوق الماء تحلق أسراب الطيور بأشكالها وألوانها المختلفة؛ الزرزور وطيور النيل والقماري والدباس، تمد مناقيرها لترشف من الماء، وتحط على أشجار الدليب في واحة «حلة ديتنق» الخلابة. من أعالي الأشجار تتعالى أصوات التغريد والزقزقة في تناغمٍ كأنها فرقة موسيقية تعزف على أوتار الطبيعة.

ملكال مدينة عرفت منذ الأزل بأرض النضال ومنبع الثورات، مدينة خُلّدت بفرسانها وأبطالها، وبقيت شعلة تغيير ومحطة للزوار. هي مدينة تبحث دوماً عن ذكريات أجيالها الماضية والحاضرة، جنةٌ بنور حليتها العالقة، وجمال ضواحيها العامرة، وبسماحة شعبها المتجانس اجتماعياً.

لملكال سوق كبير مزدهر، يعج بالحركة والباعة والمتسوقين. النشاط التجاري فيها حيوي، والناس في حركة دائبة دخولاً وخروجاً. للناظر من بعيد يبدو السوق متوهجاً في ألقٍ من النور والحياة. ومن أسواقها الفرعية: سوق الصحة، سوق الجو، سوق بم، سوق الدخولية، وسوق طراوة.

أما أحياؤها السكنية، فهي عريقة وتاريخية؛ منها حي الجلابة، حي المديرية، حي الصحة، وحي الملكية الذي يضم أحياءً فرعية مثل حي الشاطئ، حي الشلك، حي الدينكا، حي الزاندي، حي النوبة، حي الري المصري، حي التلفزيون، وحي أصوصا، وغيرها من الأحياء. تتكون الأسر في ملكال عبر التزاوج والتصاهر الاجتماعي، وتتسع دوائرها بالأحفاد، وتعود أصول كثير من أهلها إلى جذور كوشية نيلية صحراوية ضاربة في عمق التاريخ الإفريقي الأصيل.

مباني المدينة تتنوع بين الطوب والتربة الطينية، وبعض المنازل المشيدة بجدران الزنك، إلى جانب القطاطي والبناء الشبكي والعمارات ذات الأسطح المستوية.

في الجانب العلمي والتعليمي، تحتضن ملكال جامعة عريقة هي جامعة أعالي النيل، إضافة إلى كلية التربية التي كانت تتبع سابقاً لجامعة القرآن الكريم. وتضم مدارس ثانوية منها: مدرسة ملكال الثانوية، مدرسة ملكال التجارية، مدرسة حمدان بن راشد الثانوية التابعة لمنظمة الدعوة الإسلامية، ومدرسة ملكال الشعبية الثانوية بنات، ومدرسة سانت لونقة التابعة للكنيسة. كما تضم عدداً من مدارس الأساس، منها مدرسة البندر الأساسية، مدرسة الشرطة، مدرسة الدعوة الإسلامية، ومدرسة السلام.

وتتميز ملكال بتنوع دور العبادة؛ ففيها كنائس متعددة بمسمياتها المختلفة، ومساجد وخلاوى لتحفيظ القرآن الكريم، إلى جانب معتقدات أخرى. ويسود المدينة روح التسامح الديني واحترام المقدسات.

تحيط بملكال مدن وقرى ومناطق على شريط نهر السوباط، منها منطقة القنال، هشاب النيل، قلعة شل، أولنق، نقديار، قرية باليت، الدومة، ومدينة الناصر التاريخية، إضافة إلى منطقة أكوبو الواقعة قرب الحدود الإثيوبية.

ومن القرى الجنوبية على ضفاف النيل: عطار، فنجاك، تونجة، ومقاطعة فم الزراف.

أما شمالاً فتقع واو شلك، قرية لول، مدينة كدوك، غابة الزرزور، أكوكا، ملوط، جلهاك، كاكا، ودكونة، والرنك؛ وكلها تشكل امتداداً جغرافياً وثقافياً لفضاء أعالي النيل.

تأثرت ملكال بالصراعات والنزاعات، غير أن الأمل يعود إليها كل مرة كنبراسٍ يضيء الطريق. ستظل مدينة شامخة تحمل الذكريات الجميلة واللحظات النادرة، عنواناً للسلام، وساحةً للتعايش، وواحةً للمحبة. وبصمود شبابها وتكاتف أهلها، تمضي ملكال نحو مستقبلٍ يليق بتاريخها ومكانتها في جنوب السودان

إرسال التعليق

لقد فاتك