الخرطوم.. حين تسقط العاصمة في قبضة الميليشيات
وسط غياب الدولة وتواطؤ المؤسسة العسكرية، سكان العاصمة السودانية يواجهون عنفاً يومياً تحت تهديد السلاح
الخرطوم – في مشهد يجسّد انهيار هيبة الدولة ومؤسساتها، تتحول العاصمة السودانية تدريجياً إلى ساحة مفتوحة تسيطر عليها جماعات مسلحة متنازعة، يتنكر بعضها في زي الجيش، فيما يتحرك بعضها الآخر بلباس مدني، لكنها تتفق جميعاً في نهجها القائم على الترهيب والسلب وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
في أحد أحياء أم درمان، لم يكن “بشير” يعلم أن عودته إلى منزله بعد نزوح قسري ستحمله إلى المستشفى، بعد تعرضه لضرب مبرح على يد مجموعة مسلحة أقامته عند إحدى النقاط الأمنية العشوائية. لم تمضِ أيام حتى جاءه نبأ مقتل صديقه “حامد نبيل” في الحتانة، بعد محاولته مقاومة مسلحين سلبوه هاتفه.
مشهد كهذا، كما تؤكد روايات سكان العاصمة، يتكرر بشكل يومي في أحياء الخرطوم، التي تشهد انفلاتاً أمنياً غير مسبوق، تقف فيه الدولة موقف العاجز أو المتواطئ، بينما تمارس مجموعات مسلحة محسوبة على الحركات الدارفورية المتحالفة مع الجيش، وأخرى تابعة لكتائب الإسلاميين، دور السلطة الحقيقية على الأرض.
ويحذر مراقبون من أن العاصمة، التي كانت حتى وقت قريب مركز القرار السياسي والإداري، باتت خاضعة لمعادلات “المليشيات” وتوازنات السلاح، ما يمثل إعلاناً فعلياً عن تفكك الدولة المركزية.
الكاتب والمحلل السياسي محمد منصور يصف الوضع بـ”الفوضى المنظمة”، ويؤكد أن تعدد مراكز القوة يكرّس نظاماً موازياً للدولة، يحكم الخرطوم بقوة السلاح وتحت شعارات سياسية لا تمت بصلة لحياة المدنيين اليومية.
وفي ظل إعلان بعض الحركات عن نيتها تنفيذ قرار إخلاء العاصمة من الجماعات المسلحة خلال أسبوعين، يشكك كثيرون في جدية هذه الخطوات، في ظل صمت القيادة العسكرية عن تجاوزات حلفائها، واستمرار انتشار السلاح دون ضوابط.
ويذهب الناشط السياسي عاطف عابدون أبعد من ذلك، حين يعتبر بقاء أي ميليشيا في الخرطوم “خديعة سياسية” لا تقل خطورة عن الحرب المفتوحة، في وقت تؤكد فيه تقارير حقوقية وقوع انتهاكات واسعة النطاق من جماعات ترتبط تنظيمياً بالإخوان المسلمين.
دعوات الحكومة لعودة المواطنين إلى العاصمة تُقابل بموجة استنكار واسعة، إذ يرى مراقبون أن تلك الدعوات “تضلل” المواطنين وتدفعهم للعودة إلى مدينة “مختطفة”، يحكمها الخوف، وتحرسها المليشيات.
تقرير للأمم المتحدة، نُشر قبل شهرين، خلُص إلى أن عودة وكالات المنظمة إلى الخرطوم غير ممكنة قبل يناير 2026، حتى في حال توقفت الحرب، مشيراً إلى أن المدينة باتت من أكثر المناطق خطراً في القارة.
ورغم عودة آلاف النازحين إلى العاصمة، بحسب تقديرات منظمة الهجرة الدولية، فإن الأوضاع الميدانية لا تبشر بأي تحول إيجابي، بل تشير إلى استمرار معاناة المدنيين في ظل دولة عاجزة عن حماية سكانها، أو غير راغبة في ذلك.



إرسال التعليق