محمد ضياء الدين : الأيديولوجيا وجدَل الأفكار المستوردة وتفكيك خطاب البرامجية - صوت الوحدة

محمد ضياء الدين : الأيديولوجيا وجدَل الأفكار المستوردة وتفكيك خطاب البرامجية

في الخطاب السياسي السوداني كثيراً ما يُلجأ إلى توصيف الأحزاب والخصوم بأنهم عقائديون يحملون أفكاراً وأيديولوجيات مستوردة، وكأن هذا الوصف وحده كافٍ لإسقاط مشروعية الأفكار أو نزع الشرعية عن أصحاب الانتماء الفكري. ويجري ذلك غالباً مع تجاهل حقيقة أساسية مفادها أن الممارسة السياسية، في جوهرها لا تنفصل عن إطار فكري أياً كانت مرجعيته. فكل فعل سياسي يستند صراحة أو ضمناً إلى منظومة من المفاهيم والقيم والتصورات حول الدولة والمجتمع والسلطة.

وبناءً على ذلك، فإن ما يُوصم عادة بـالعقائدية لا يعدو كونه التزاماً واعياً بأيديولوجيا ما. والأيديولوجيا هنا ليست شتيمة سياسية بل منظومة فكرية تسعى إلى تفسير الواقع، وفهم تناقضاته وإستشراف مساراته المستقبلية، وتقديم أدوات تحليل ومعالجة للأزمات في ضوء السياق التاريخي والإجتماعى والفكري، أو كما قال المفكر القومي الراحل الاستاذ بدرالدين مدثر ” العقائدية مفخرة للذين يناضلون وأعينهم مفتوحة ويسلكون منهجاً يحاكمون به أنفسهم ويحاكمهم به الآخرون” عليه فإن النقد الجاد لا ينبغي أن ينصب على مجرد وجود الأيديولوجيا، بل على مضمونها وعمقها التحليلي، وقدرتها على قراءة الواقع السوداني المركب وتقديم إجابات قابلة للتطبيق.

وعند إسقاط هذا المنظور على السجال الدائر، تتكشف مفارقة أساسية كثيراً ما يجري تجاهلها. فالخطاب الذي يهاجم الأيديولوجيا بوصفها فكراً مستورداً لا يصدر فقط عن بعض التيارات التقليدية، بل يتبناه أيضاً على نحو متناقض، إسلاميون وناشطون تأثروا بخطابات ليبرالية وبراغماتية سائدة، رغم أن مواقفهم نفسها تقوم على مرجعيات فكرية وافدة أو مهجّنة. فالإسلاميون على سبيل المثال، يتناسون أن الإطار التنظيمي والفكري لحركة الاخوان المسلمين في السودان تمثل إمتداد لتجربة جماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في سياق مصري محدد، ثم إنتقلت إلى السودان بكامل حمولتها الأيديولوجية والتنظيمية .

أما بعض دعاة “البرامجية” ونقد الأيديولوجيا، فإنهم في الواقع يعيدون إنتاج تصورات ليبرالية حول السياسة والاقتصاد، من دون الاعتراف بطابعها الأيديولوجي، أو إخضاعها لتحليل نقدي يستند إلى فهم دقيق للبنية الإجتماعية السودانية.

من نافلة القول الإشارة إلى إن الأفكار بطبيعتها، عابرة للحدود، وما يحدد أصالتها أو مشروعيتها ليس منشأها الجغرافي، بل قدرتها على التفاعل الخلّاق مع الواقع الذي تُطبق فيه. فجميع القوى السياسية، بلا إستثناء، تستخدم الأيديولوجيا، بوعي أو بدونه، لفهم الواقع السوداني، كلٌّ وفق مرجعيته، وتستخلص منها تفسيراً لطبيعة الصراع الإجتماعى والسياسي وأسبابه وسبل معالجته، سواء إعترفت بذلك أم حاولت إنكاره. والذين ينفون الأيديولوجيا أو يدّعون تجاوزها إنما يمارسونها عملياً، إذ إن “نفي الأيديولوجيا هو في حد ذاته موقف أيديولوجي” ، لكنه غالباً يتم من دون وعي نظري به.

ويزداد هذا الأمر وضوحاً عند إستحضار نشأة الأحزاب السياسية السودانية قبل الاستقلال، وتأثرها الواضح بالأحزاب المصرية مثل حزب الوفد، والحزب الوطني المصري، وحزب الأمة المصري، وحزب الأحرار الاشتراكيين. وهو ما يؤكد أن التفاعل مع التجارب الفكرية والسياسية خارج الحدود كان أحد السمات الرئيسة في تشكّل الحركة السياسية السودانية، لا إستثناءً ولا إنحرافاً، وبالطبع ليس في ذلك ما يعيب.

ومن هنا يتكشف بُعد آخر أكثر عمقاً، يتمثل في أن كثيراً من الأحزاب والقوى التي ترفع شعار “البرامجية” أو تدّعي “الحداثوية والحياد الأيديولوجي” إنما تمارس، في الواقع، شكلاً من الليبرالية أو البراغماتية غير المعلنة. فهي تتبنى برامج إقتصادية وإصلاحية جاهزة، مستمدة من وصفات مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي، أو من نماذج سياسية إقليمية ودولية، من دون إخضاعها لتحليل نقدي جاد يستند إلى فهم عميق للبنية الإجتماعية السودانية وتعقيداتها ومسار تطورها التاريخي. وبهذا المعنى فإن الدعوة إلى نفي وإقصاء الأيديولوجيا لا يعني غيابها، بل يعني تبني نمط أيديولوجي أقل وضوحاً، وأضعف قدرة على تفسير الواقع أو تغييره.

إن غياب الإطار الفكري الكلي الذي يربط البرامج الجزئية برؤية شاملة للدولة والمجتمع والاقتصاد يمثل أحد الأسباب الجوهرية لضعف كثير من المشاريع السياسية، ولتحول العديد من البرامج إلى َمجرد شعارات معزولة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسلطة والعدالة والتنمية والتقدم. فمعالجة القضايا الجزئية دون ربطها بتشخيص شامل لأزمة التطور الوطني في بلادنا، تؤدي في الغالب إلى حلول سطحية تعالج الأعراض دون الاقتراب من الجذور.

وبناءً على ذلك، فإن السؤال الجوهري في السياق السوداني لا ينبغي أن يكون، هل الفكرة محلية أم وافدة؟ بل كيف تتفاعل الأيديولوجيا، بوصفها منهجاً للتحليل والتفسير، مع خصوصية التجربة السودانية؟ وكيف يُعاد توطينها وصياغتها لتستجيب لتحديات الواقع بدلاً من أن تُفرض عليه قسراً؟ فأي مشروع سياسي جاد لا يمكن أن يستقيم من دون رؤية فكرية واضحة تمكّنه من تشخيص علل أزمة الدولة السودانية، بما في ذلك إرث الحكم العسكري، وإختلال بنية الدولة، والتبعية الاقتصادية، وتشوه الدولة الريعية، وتفكك النسيج الإجتماعى، وضعف مشروع المواطنة .. الخ.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن خطاب تشويه الانتماء العقائدي لا ينفصل عن صراع المصالح، إذ تعبّر كثير من حملات الوصم عن قوى إجتماعية تخشى الفكر المنهجي الثوري لأنه يهدد بنيتها التقليدية وإمتيازاتها القائمة.
إن النضج السياسي يقتضي الإنتقال من ثقافة التخوين والوصم، سواء كان جغرافياً أو أيديولوجياً، إلى ثقافة الحوار الجاد حول مناهج التحليل نفسها، أي حول الأيديولوجيا بوصفها أداة لفهم الواقع وتغييره، وحول العلاقة الجدلية بين الفكر والممارسة، والأصالة والمعاصرة من جهة، وبين الخصوصية الوطنية والانفتاح على التجربة الإنسانية من جهة أخرى .

فالفكر الإنساني، في نهاية المطاف، ليس ملكاً حصرياً لأمة أو جماعة، بل هو تراكم تاريخي مشترك تسهم فيه الشعوب عبر الزمن، وتعيد توطينه وتطويره وفق حاجاتها وشروطها. وهو وحده القادر على تقديم حلول عملية ومستدامة لمأزق السودان التأريخي عبر إستخدامات المنهج العلمي الجدلي التاريخي الذي يربط بين العوامل السياسية والإجتماعية والاقتصادية في تطور المجتمع.

إرسال التعليق

لقد فاتك