دوغلاس هاملتون : نزاع هجليج النفطي بين السودان و جنوب السودان
اندلعت اشتباكات عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وجيش جمهورية جنوب السودان الوليدة في المنطقة الحدودية التي تُعرف في الخرطوم باسم هجليج وفي جوبا باسم فانطاو. ويجمع هذا النزاع بين أبعاد أمنية وحقوق ملكية الأرض والسيطرة على إنتاج النفط. وقد سارعت جهات إقليمية ودولية إلى إدانة سيطرة جنوب السودان على المنطقة باعتبارها اعتداءً علي “أراضٍ سودانية”، إلا أنّ مثل هذه الأحكام المسبقة تُغفل حقيقة أنّ القضية لم تُحسم بعد بصورة نهائية.
يقدّم هذا الموجز خلفية تاريخية لازمة لفهم جذور الخلاف، والجهود المبذولة في إطار اتفاقية السلام الشامل لمعالجة هذا النزاع وسواه من القضايا الحدودية. كما يوضح أن الوصول إلى حكم يتوافق مع “أفضل الممارسات الإفريقية” يتطلب دراسة دقيقة للوثائق المتاحة والأدلة الشفوية معًا.
*المقدمة:
في 10 أبريل 2012، استولى الجيش الشعبي لتحرير السودان على حقل هجليج النفطي الواقع على التخوم بين ولاية الوحدة ( حاليا في إدارية رووينق) بدولة جنوب السودان وولاية جنوب كردفان في السودان، وقد وصفت مفوضية الاتحاد الإفريقي — التي كانت تتوسط بين الطرفين — هذا الإجراء بأنه “غير قانوني وغير مقبول”، وتبعتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى بإدانات مشابهة.
جاءت هذه الخطوة ردًّا على سلسلة من الهجمات التي شنّتها الحكومة السودانية ضد المجتمعات الحدودية في البلدين. ففي مايو 2011، قبل أسابيع من إعلان استقلال جنوب السودان، استولت القوات المسلحة السودانية على منطقة أبيي المتنازع عليها، وهي خطوة برّرتها بعض العواصم الغربية بوجود “استفزاز”. وفي يوليو 2011، شنت الخرطوم هجومًا آخر على قوات الجيش الشعبي داخل جنوب كردفان. وبعد ذلك بأسابيع، فتحت القوات السودانية جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق دون التذرّع بأي مبرر.
أسفرت هذه الهجمات عن موجات نزوح واسعة إلى جنوب السودان، مصحوبة بقصف جوي وتوغلات أرضية. وقد أعلن الجيش الشعبي أنه صدّ خمس عمليات هجومية انطلقت من هجليج قبل أن يرد عليها.
تتجاوز قضية هجليج البعد الأمني إلى مسألة السيادة والحدود وحقوق النفط. فالمنطقة تقع على خط الحدود بين البلدين، لكنها ظلت تحت سيطرة الخرطوم رغم مطالبة جوبا بها. وتطلق جوبا عليها اسم فانطاو أو ألينِج، بينما تُعرف في الخرطوم بـ هجليج.
ورغم تأكيد بعض الشخصيات العامة — ومنهم د. أليكس دي وال — أنّ خرائط 1956 تثبت تبعية هجليج للسودان، فإن الحدود المعتمدة لعام 1956 لم يُتفق عليها نهائيًا، ولم تُرسم على الأرض، كما أنّ تاريخ هذه المنطقة أكثر تعقيدًا مما يُفترض عادة.
*الخلفية الاستعمارية:
تقع أراضي دينكا روينق و منطقة بانارو في صميم الخلاف حول موقع فانطاو/هجليج.
كان روينق، الذين يقطنون اليوم في ادارية رويينق الخاصة، يجاورون دينكا نقوك، وكانوا يُدارون وإياهم ضمن إقليم كردفان. وقد أدّت تحولات إدارية متعاقبة في أوائل القرن العشرين إلى تغيير مواقعهم الحالية وموقع فانطاو/هجليج.
فبعد إنشاء إقليم جبال النوبة عام 1913، تم توزيع مجموعات الروينق بين جبال النوبة وكردفان. وفي أوائل عشرينيات القرن الماضي، نُقلت إحدى مجموعاتهم إلى بحر الغزال، ثم نُقل معظمهم عام 1927 إلى الإقليم نفسه عقب قرار بإعادة دمج جبال النوبة في كردفان.
وفي عام 1930، نُقلت جميع مجموعات الروينق إلى إدارة إقليم أعالي النيل. ثم أُعلنت الحدود الإقليمية رسميًا عام 1931 عقب نقل مجموعات روينق أجوِبّا وأويت وألور من كردفان إلى أعالي النيل. وهذا الخط هو نفسه الذي كان قائمًا عند استقلال السودان عام 1956.
تُظهر خرائط المسح السوداني (مقياس 1:250,000) للأوراق 65-H و65-L هذا الخط الحدودي، وقد كان آخر تحديث لها عام 1937. وكانت المنطقة التي يشقّها الخط شبه خالية وفقًا للخرائط، وهي في الحقيقة منطقة رعي موسمية تتقاسمها مجموعات الروينق ودينكا نقوك.
ولم تُسجّل الخرائط أي قرى أو معسكرات أبقار سنوية أو مواضع تحمل اسم “فانطاو” أو “ألينِي” أو “هجليج”، باستثناء بعض مصادر المياه وتجمعات أشجار الهجليج، لأن المنطقة كانت خارج مسارات الترحال الإداري، ولأن الخرائط كانت تعكس حدود المعرفة الإدارية لا الواقع الأهلي.
كما قدّم مفوض المديرية عام 1931 وصفًا مغايرًا للحد الفعلي على الأرض، إذ رسمه على هيئة قوس يبدأ من ملتقى خورَي لول وباو، ويمتد شمالًا بين روينق ألور ودينكا نقوك، ثم ينحني نحو الشمال ، وصولًا إلى الحافة الجنوبية لبحيرة الأبيض، ثم جنوب جبل كوروندي. أي إن الحد كان منحنيًا لا مستقيمًا.
*النفط وتغيير الأسماء وسياسات الإخلاء القسري:
أدى اكتشاف النفط في أواخر السبعينيات إلى توتر شديد بين الخرطوم وجوبا. وقد مُنحت بعض الحقول الأولى أسماء محايدة تخفي موقعها الحقيقي مثل “الوحدة” و”هجليج”.
وفي عام 1980، حاول البرلمان السوداني إعادة ترسيم حدود أعالي النيل لضم الحقول إلى كردفان، لكن الخريطة المرفقة سُحبت بعد اعتراض حكومة الجنوب.
وكان حقل فانطاو من أولى الحقول المنتجة. واسمه في لغة الدينكا يعني “مكان اللالوب”، قبل تغييره إلى هجليج. وربطت الخرطوم الحقول بمصفاة كوستي عبر خط أنابيب نُشر مساره رسميًا عام 1983، وأظهر الخروج المباشر للأنبوب من أعالي النيل إلى كردفان رغم أن الحقول تقع داخل حدود أعالي النيل الغربية.
كما أُنشئت الصناعة النفطية في ولاية الوحدة عبر عمليات إخلاء واسعة، وجرى تطهير أراضي بانارو لإفساح المجال أمام استثمارات النفط.
وحتى 2003، كان يُنظر إلى هجليج باعتبارها ضمن سلطة ولاية الوحدة. لكن في 2004، أُبلغ والي الولاية بأن هجليج تتبع غرب كردفان وفقًا لخريطة رسمية غير كافية لتحديد ما إذا كان خط 1931 قد تم نقله لتبرير هذا التغيير.
ويُذكر أن بروتوكولَي تقاسم الثروة وأبيي ضمن اتفاقية السلام الشامل وُقّعا قبل إقرار هذه الخريطة، ما يعني أن تعديل تبعية هجليج — إن صحّ — كان سيجري مع معرفة أن عائدات الحقول الواقعة داخل حدود جنوب السودان فقط هي التي تُتقاسم.
*هجليج ولجنة حدود أبيي:
كثيرًا ما قيل إن لجنة حدود أبيي عام 2005 خصصت هجليج لمنطقة أبيي، وإن قرار محكمة التحكيم الدائمة عام 2009 أكد أنها تتبع السودان. إلا أن كلا الادعاءين غير دقيق.
كانت مهمة اللجنة هي تحديد أراضي مشيخات دينكا نقوك التسعة المنقولة لكردفان عام 1905، ولم تعتبر التطورات اللاحقة مثل التنقيب عن النفط جزءًا من اختصاصها. كما لم تشمل الخرائط التي اعتمدتها أي تفاصيل عن صناعة النفط.
ورسمت اللجنة حدودها حتى خط 1931، الذي يفصل بين أرض الروينق وأرض النقوك، وهو خط الحدود القائم عام 1956. ولم تمد اللجنة هذا الخط شرقًا لضم هجليج. ولم يرد اسم هجليج إلا مرة عابرة ولم يظهر في الخرائط.
أما محكمة التحكيم فقد عدّلت الحد الشرقي لمنطقة أبيي فقط، لأنها رأت أن اللجنة لم تبرّر اعتمادها خط حدود أعالي النيل–كردفان القديم. ولم تفصل المحكمة في وضع هجليج أو أي جزء آخر من خط 1956.
وقد أعادت جوبا فورًا تأكيد مطالبتها بفانطاو/هجليج، مؤكدة أن القضية ستُحسم ضمن عملية ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب.
*آفاق الحل:
إن التصريحات التي تزعم أن هجليج “معترف بها دوليًا” بوصفها جزءًا من السودان لا تستند إلى نتائج نهائية، وتشكل حكمًا سابقًا لأوانه.
فالمسألة الجوهرية — وفق اتفاقية السلام الشامل — هي تحديد موقع فانطاو/هجليج من خط حدود 1931:
إذا كانت شرق الخط فهي ضمن ولاية الوحدة وجزء من جنوب السودان.
إذا كانت غربه فهي ضمن جنوب كردفان وجزء من السودان.
وقد يقسم الخط الحقل النفطي، مانحًا البلدين حقًا مشتركًا فيه.
وتُظهر المعطيات أن هجليج كانت تُعد حتى 2003 جزءًا من ولاية الوحدة. وتؤكد مشاريع إعادة الترسيم عام 1980 ومسار خط الأنابيب عام 1983 هذه الحقيقة. فإذا أثبتت جوبا أن الخرطوم غيّرت الحدود بعد 1956 أو زوّرت خريطة 2004، فستكسب القضية.
لكن الخرائط ليست دليلًا نهائيًا؛ فهي قد تكون غير دقيقة أو متحيّزة. فقد وُجد وصفان متباينان لخط 1931: أحدهما محلي على شكل قوس، والآخر رسمي مستقيم.
وتستوجب المبادئ المتفق عليها لترسيم الحدود مراعاة “أفضل الممارسات الإفريقية” الهادفة إلى الحفاظ على تماسك المجتمعات وتشجيع التعايش السلمي، وهو ما يتطلب التحقق من:
كيفية إدارة المنطقة بين 1931 و1983،
هوية السكان الذين عاشوا فيها،
وسلطة أي إقليم كانت تُمارَس فعليًا على فانطاو/هجليج.
ولا بد من النظر في كل الأدلة للوصول إلى حل عادل ومنصف.



إرسال التعليق