محمد الحبيب يونس : الكراهية والخوف كحصن وقائي،المركز النيلي أنموذجًا
شكلت الكراهية حصنًا وقائيًا للمركز يصد من يريد الاقتراب من سلطته الموروثة فقد أوجدت الثقافة النيلية نسقًا يحتم على أبنائها الحذر والبغض لأهل الغرب، وبالتأكيد لا يتأثر كل الناس بأنساقهم الثقافية ولكنه/النسق يعتمل في الأغلبية بشكل تلقائي.
لا يريد المركز النيلي أن تنطفئ جذوة الكراهية التي اشتعلت جراء أحداث دارت بين الخليفة عبدالله وأهل النيل.. إذ حافظت ذاكرة النيل على تلك الأحداث دون أن تنطفئ حرارة عاطفتها فظلت ملتهبة في صدور الناس كأنها حدثت اليوم.. كما أن الخيال الشعبي زاد ما زاد على تلك الوقائع وبالغ في تضخيمها وتشويه شخصية العدو وبذلك ساهم في تأجيج الكراهية وإبقائها متقدة حتى اليوم..
تتشكل هوية المجتمعات وتتطور عبر الزمن، لكنها قد تتحول في بعض الأحيان إلى سجون تغذيها حكايات شعبية وسرديات تاريخية تكرس الكراهية وتعمق الشرخ بين مكونات الوطن الواحد، ففي السودان تحولت هذه الظاهرة إلى بنية ثقافية متماسكة تحافظ على جذوة الكراهية متقدة بين المركز النيلي والهامش الغربي، جاعلة من هذه العلاقة المضطربة تراثاً ثقيلاً ينتقل من جيل إلى جيل.
تعيد الذاكرة الجمعية إنتاج صور الماضي باستمرار لاسيما حادثة المتمة عام 1897م لكنها لا تعيد التاريخ كما حدث فعلياً، بل كما تريده أن يكون بحيث يصبح أداة لتبرير التهميش وخلق النزاعات والإقصاء عن السلطة إذ لم يقتصر الأمر على الحقائق التاريخية المجردة، بل تعداها إلى الخيال الشعبي الذي بالغ في تشويه صورة عدوه، فأضفى إلى الأحداث طبقات من المبالغات والأكاذيب التي تحولت مع الوقت إلى مسلمات ثقافية. فالحكايات الشعبية، رغم دورها في الحفاظ على الهوية، إلا أنها في السودان لا سيما المركز النيلي تحولت إلى أداة لتفكيك الوحدة وذلك لأنها أصبحت تكرس الصور النمطية والصور السلبية عن الآخر المختلف، إذ تسجن كل سكان غرب السودان في صورة واحدة أنتجتها حرب المتمة وأضافت عليها الحكايات الشعبية كثيرا من القبح والتخويف.
يبقى السؤال هنا ماذا يستفيد المركز من الحفاظ على شعور ثقيل كالكراهية والإصرار على زيادتها وترسيخها في العقل الجمعي كلما وجد فرصة بأحداث جديدة كما رأيته يستغل بعض الأحداث التي وقعت في الجزيرة لترسيخ الصورة النمطية للغرَّابة وزيادة حجم البغض تجاههم. فما الفائدة من وراء ذلك، ما الفائدة من خلق كراهية وتعبئتها بالحقائق والأكاذيب والخرافات ثم تصديقها..
الإجابة هنا تتطلب الحفر تاريخيا ونفسيا، لأنها ليست في السطح، تاريخيا بعد سقوط دولة الخليفة آل الحكم للمستعمر وبعدها نشأت دولة 56 التي بدأت حقيقةً بانقلاب عبود النيلي على الأزهري الكردفاني، ومن ذلك لم يسمح لأحد سوى النيليين بالاقتراب من السلطة عدا حمدوك الذي صعد في غيبوبة عاطفية ناتجة عن مثاليات الثورة ولكن سرعان ما استفاق المركز على صوت عمسيب وتخويفه لأهله من حمدوك بخلق أكاذيب حوله، فعاد الديسمبريون النيليون إلى حظيرة الجهوية التي حاربت حمدوك حتى سقط. فكما أسلفنا حتى مَن كان ديسمبريا شارك في تخوينه وتشويه صورته على سبيل المثال الحزب الشيوعي الذي أول من شق صف الثورة وحفر لحكومة حمدوك وساهم في اسقاطها، وقد تتساءل كيف للحزب الشيوعي المعروف بالنضال أن يكون سببا في سقوط حكومة الثورة وعودة الإسلاميين الإجابة هي بكل وضوح الكراهية والخوف معا، فالأمر هنا لا يفسر بالمعطيات السياسية إنما يعود لأسباب أخرى تتعلق بسيكولوجية المركز وخوفه من أن تكون لأهل الغرب سلطة، وهذه الفوبيا يشترك فيها اليميني واليساري؛ فهي كما أسلفنا حصيلة نسق ثقافي وحكايات شعبية وأمثال على نحو (البجي من الغرب ما بسر القلب) ولأن حمدوك جاء من الغرب فهو بالضرورة لا يسرهم إنما يرون فيه تهديدًا لهم.
فكما رأينا فالمركز يستفيد من الكراهية لأنها تمثل حاجزًا وقائيًا/ حاجزًا يمنع الآخر القادم من الغرب من الاقتراب من السلطة؛ فالمسألة بالنسبة للمركز لم تكن يومًا سياسية بقدر ما كانت ميتا-سياسية: خوفٌ تاريخي، فوبيا قديمة، إحساس بالتهديد لا يراه المنطق ولكن تراه الذاكرة المتوجسة.
منذ حكومة عبود استقرت الدولة المركزية على معادلة تقوم على تقزيم دور الهامش في الوظائف القيادية، كان أبناء كردفان ودارفور يدخلون إلى مؤسسات الدولة كضيوف لا كأصحاب حق.
تمّ تهميشهم في الخدمة المدنية، وفي الجيش الذي كان يُفترض أن يكون مؤسسة قومية، إلا أن دخول الكلية الحربية كان مرتبطًا بمكان الميلاد والقبيلة، فالنسبة الأكبر كانت لأبناء النيليين، أما أبناء الغرب فإن سمح لبعضهم بدخول الكلية غالبا ما يكونوا دمىً في يد النخب ومهما كان فإن قبول أبناء الغرب في الكلية الحرب أمرا أشبه بالمستحيل فما بين المئة يمكنك أن تجد واحدا من جبال النوبة أو دارفور.
لم يكن ذلك صدفة أو خطأً إداريًا؛ بل كان جزءًا من سياسة غير مكتوبة تَرى أن الغرب لا يجب أن يقترب من السلطة لا لأنه لا يصلح للحكم، بل خوفا، منه فالسرديات الشعبية والنسق الثقافي هما ما يمليان هذا الموقف؛ فبه تحتم على أهل الغرب أن يبقوا بعيدين عن مواقع التأثير.
دارفور وكردفان، بسخائهما وكرمها وبساطتهما القاسية، ظلّتا لعقود طويلة خارج خريطة التنمية، لا كهرباء مستقرة، لا مياه صالحة إلا عبر (دوانكي) ومضخات يدوية أنشأتها المنظمات، وكذلك عبر الآبار وتخزين الماء في شجر التبلدي وغيرها من طرق جلب المياه والمحافظة عليها.
كما يعاني الغرب من قلة الجسور لربط المناطق ببعضها البعض، إذ تتضاعف مشكلات السفر في الخريف ويصبح الشارع الذي كانت مسافته تُقطع في يوم تقطع في أسبوع بسبب كثرة الأودية والخيران وانعدام الجسور
وقلة الطرق المعبدة، لا وجود للخدمات هناك فلا مستشفيات جيدة إلا في المدن الكبرى وقلة المدارس وأحيانًا انعدامها في القرى والمحليات، أما الموت، فكان دائمًا الأكثر حضورًا إذ يموت الناس في النزاعات التي يشعلها غياب الدولة، أو يشعلها المركز حين يريد إعادة ترتيب أوراقه أو كأن يجيِّش فئة ضد فئة كحرب بالوكالة. يموت الناس في الغرب بالجوع، وبالعطش وبرصاص الحكومة.
يخشى المركز النيلي على هويته وامتيازاته الموروثة، فوجود الآخر المختلف خاصة إذا ما امتلك سلطة يهدد هذه الامتيازات ويسائل شرعيتها. إنها فوبيا ثقافية حصيلة نسق ثقافي يعتمل في الكل، ويحتم على أي فرد أن ينشأ وهو يقيم حاجزا بينه وبين الآخر/الغرابي. فالمزكر محصن بسردياته الخاصة ضد الغرب الذي يضعه في خانة العدو محصن بكراهية تجعله يقظا يحارب بكل السبل تقدم الغرابة نحو السلطة بل ووضع العقبات لجعل هذا الأمر مستحيلا، وذلك بإشعال الحروب وإحياء النعرات القبيلة والتجهيل وخلق صعوبات في العيش والحياة حتى يشغلهم بكل ذلك عن التفكير في السلطة.
تبقى الكراهية تلك الصخور العملاقة التي يحملها أبناء المركز في هويتهم الجمعية، حاجزاً أمام المصالحة الوطنية ومهددا للوحدة. لأنها ليست انفعالا عابرا، بل نسقا ثقافيا تستفيد منه نخب سياسية تخشى على امتيازاتها.
لا مستقبل لسودان تُدار هويته من ضفة واحدة ولا دولة تُبنى بذاكرة تمتد إلى الخلف أكثر مما تمتد إلى الأمام. لا بد من تفكيك النسق الثقافي الذي يرى في الآخر تهديدًا وفي التنوع لعنة وفي السلطة ملكية خاصة.
إن تحرير السودان من هذا الإرث الثقافي الثقيل مهمة شاقة، يجب أن تشارك فيها وسائل الإعلام ببث روح المحبة وغسل الصورة الأحادية الموروثة بصور حقيقية تعكس هوية إنسان غرب السودان، وكذلك على المفكرين والمثقفين من الجهتين إلقاء الضوء على هذا الموضوع وطرحه بشفافية والبحث عن حلول لهذه المشكلة وذلك بخلق جسور ثقافية جديدة وفتح أبواب الحوار الثقافي داخل القومية الواحدة. كما يقع على عاتق التعليم الدور الأكبر وذلك بتصحيح بعض المفاهيم التاريخية، وأن يُدخل في المناهج التربوية مفاهيم الحوار وتقبل الآخر والإختلاف والأخلاق الإنسانية التي تحترم الإنسان أيٍّ كان لونه أو دينه؛ لينشأ جيل معافى مما أصيب به الأسلاف.



إرسال التعليق