عزيز الدودو : سقوط مشروع الحركات المسلحة وصعود نموذج الدعم السريع - صوت الوحدة

عزيز الدودو : سقوط مشروع الحركات المسلحة وصعود نموذج الدعم السريع

بعد سنوات من الرصاص والنار، ها هي مفارقة التاريخ السوداني تبلغ ذروتها؛ فبينما كانت الحركات المسلحة في دارفور ترفع شعارات التحرر وتتخذ من “المقاومة” عنواناً لهويتها، ها هي اليوم تتهاوى أمام اختبار المشروع والحقيقة.

لقد كشفت الأحداث أن ما كان يُصوَّر على أنه “ثورة هامش” لم يكن سوى تمرد مسلح غارق في الرؤية القبلية الضيقة، بينما انبثقت من رحم المعاناة قيادة استطاعت أن تحول المسار من دوامة العنف العبثي إلى معركة التحرر الحقيقية.

إن إصرار بعض أطراف تلك الحركات على وصف قوات الدعم السريع بـ”الجنجويد” ليس سوى هروب من مواجهة الحقيقة. فهذا التوصيف الذي يحمل حمولة عرقية واضحة يكشف عن عقلية استئصالية تتنكر لتعددية السودان، بينما تقدم قوات الدعم السريع نموذجاً وطنياً يجسد التكامل القبلي في دارفور. فتحت قيادة الفريق حميدتي، تجاوزت هذه القوات الانقسامات الضيقة لتمثل تحالفاً يضم أكثر من خمس عشرة قبيلة عربية بالإضافة إلى قبائل أفريقية محايدة مثل الميدوب والتنجر والبرتي والميما والقمر والبرقد وتحالفات عسكرية ضمت الحركة الشعبية وبعض الفصائل الدارفورية المنشقة عن الحركات المسلحة ، مما يجعلها إطاراً وطنياً حقيقياً يعكس نسيج السودان المتعدد.

بالمقابل، لم تستطع الحركات المسلحة التي انطلقت من ثلاث قبائل رئيسية – الفور والزغاوة والمساليت – أن تحافظ على وحدة مشروعها، فتحولت إلى أكثر من خمسين حركة متناحرة، تفتقر إلى المشروعية السياسية وتفتقد لرؤية وطنية شاملة. لقد تحولت هذه الجماعات من حركات ترفع شعار التحرير إلى مرتزقة يتسولون المكاسب المادية على أبواب السلطة الإنقلابية في بورسودان ، مما يؤكد طبيعتها الانتهازية ونزعتها القبلية.

اليوم، بينما تعود هذه الحركات الفاشلة إلى أحضان الدولة المركزية التي حاربتها بالأمس، يقدم حميدتي نموذجاً مختلفاً قادراً على تصحيح المسار. فبعد أن كان جزءاً من أدوات الدولة المركزية، استطاع أن يقود معركة حقيقية لتفكيك هيمنتها، مفتتحاً صفحة جديدة في تاريخ السودان. إن معركة التحرر الحقيقية ليست تلك التي ترفع شعارات قبلية وتتبنى خطاباً استئصالياً، بل تلك التي تستطيع أن تجمع ولا تفرق، أن تبني ولا تهدم، أن تتجاوز الماضي نحو مستقبل يسع للجميع.

ها هو حميدتي على أعتاب تحقيق ما فشلت فيه الحركات المسلحة لعقود: تفكيك الدولة المركزية الفاشلة وبناء سودان جديد، ليس على أسس قبلية أو عرقية، بل على أساس مشروع وطني شامل. إنها المفارقة التاريخية التي تثبت أن الأصالة ليست في الخطاب بل في الممارسة، وليست في الشعارات بل في النتائج.

فبينما تتحول الحركات المسلحة إلى مجرد ذاكرة لتمرد فاشل، يكتب الدعم السريع فصلاً جديداً في تاريخ السودان، من دارفور إلى الخرطوم، محمولاً على أجنحة مشروع تحرري حقيقي يستوعب الجميع ولا يستثني أحداً.

إرسال التعليق

لقد فاتك