محمد الحبيب يونس : جدلية الواقع والمثال في قصيدة أسراب منطفئة للشاعر إدريس نور الدين دراسة سيميائية
نبذة عن الشاعر:
الشاعر إدريس نور الدين شاعر سودانب يعتبر من أهم الأصوات الشعرية المعاصرة في السودان، فهو مجدد للقصيدة الحديثة، شاعر شاب ولكن له تأثير كبير في كثير من الشعراء، فهو ليس مجرد تجربة شعرية إنما يمكن أن يصنف مدرسة أو مرحلة جديدة من مراحلة الشعر السوداني، قصيدته تمتاز بالرمزية المادية أو يمكن أن نقول عنه بلغة أخرى بأنها من الواقعية السحرية وعلى الرغم من رمزيتها العالية ألا أن سماءها يمكن أن تُلمس بالأيدي.
شارك إدريس نور الدين في عدد من الفعاليات الأدبية والثقافية داخل وخارج السودان .
فاز بعدة جوائز أذكر منها جائزة سحر القوافي.
له ثلاثة إصدارات شعرية: ديوان أسراب منطفئة الصادر عن دائرة الثقافة بحكومة الشارقة وديوان كواكب ريما وديوان فرت سماء من يدي الصادران عن دار الأجنحة السودانية.
العنوان:
أسراب خبر لمبتدأ محذوف ومنطفئة صفة لهذه الأسراب ، ولأن النص يتحدث عن ذكريات وأحلام،يمكن أن تعد العلامة(أسراب)انزياحاً يجسد الأحلام والذكريات في شكل طيور ليفيد معنى الرحيل والكثرة معاً،ومما يعضد الكثرة أيضاً استخدامه للجمع بدلا المفرد (سرب) ، ووصفه الأسراب بـ(منطفئة)يعد انزياحا كذلك ساهم تجسيد معاني غياب الذكريات وتلاشيها،كما دلل على أن هذه الذكريات كانت ذات يوم تمثل حياة حية واليوم آلت إلى حال مغاير هو الانطفاء.
البنية الدلالية:
1ــــ استدعاءالماضي ومأساة الحاضر.
“عيناي قافلتا حريق والصدى دربان والآتون ليل نامِ”
يكشف البيت عن لحظة بينية تتموقع بين الواقع والمثال وهي لحظة كشف وتجاوز في آن ، حيث يسعى الشاعر إلى كشف الماضي كما تدل على ذلك العلامتان (عيناي حريق) ويريد تجاوز الحاضر كما تدل على ذلك العلامتان (قافلتا،دربان) ،وقد وظف الشاعر الانزياح (عيناي قافلتا حريق) وهي صورة مادية ترمز للحدس والبصيرة ونفاذهما في المعتم (الماضي/الصدى) وذلك لإبراز معنى الحدس أو البصيرة في صورة مادية مدركة، ووظف الانزياح (الصدى دربان) لأجل تجسيم الماضي في هيئة مكان وكذلك لأجل مشاكلة المثنى (قافلتا حريق ) الدال على البصيرة التي تنفذ في هذا الماضي لإضاءته، وكذلك وظف الانزياح (الآتون ليل نام) ليصف غموض الماضي وامتداده في الحاضر حيث أبرز معنى الغموض في صورة مرئية (ليل) وجسد تحرك الماضي نحو الحاضر بالعلامتين (الآتون/ نام) ، كما شكلت الجملة الاسمية في البيت علامة دلت على استمرارية هذه الصورة. وكل هذه التقنيات جسدت ضبابية الماضي من ناحية وامتداده -رغم هذه الضبابية – في حاضر الشاعر، ومحاولة الشاعر لتجليته وكشفه من ناحية أخرى.
“تطفو الديار على هديل حمامة ٍ وأسايَ أبلغ من هديل حمام “
يرمز الحمام هنا لكل مايذكر الشاعر بذكرياته وينبش دواخله، وقد أدخل الشاعر هذا الرمز في سياق مجازي ، فرمز بالصورة (تطفو الديار) لتخيله لديار المحبوبة، وبالصورة (..على هديل حمام) جسم الهديلَ في هيئة مرآة تتراءى فيها الديار ، والصورتان تمثلان علامة مركبة تدل على أن الحمام يذكر الشاعر بديار الحبيبة، وعلى الرغم بلوغ الهديل لأماكن بعيدة في نفس الشاعر إلا أن في الشاعر آلام وأسرار أعمق من أن يفجرها ويخرجها الهديل كما تدل على ذلك العلامات في العجز ( وأساي أبلغ من هديل حمامي ) فهي تجسد معنى الكبت.
“أبكي فتنهار الديارُ وتمّحي الطرقاتُ يردعني صهيل دامِ”
يكشف البيت عن موقف عدمي تجاه الحياة وذلك لأن الشاعر عندما يحزن لا يرى معنى للحياة وهذا البيت يمثل الحاضر كما تدل أفعال المضارع فيه
وهذا الخراب الذي نلمسه في سطح الصورة هو تجسيد للجوى النفسي المشبع بالتشاؤم، فخراب العالم الخارجي هنا يعكس خراباً داخليا في النفس ،فهو تجسيد لرؤية الشاعر للوجود .
إن العلاقة بين السبب والمُسَبَب في البيت مجازية ، إذ لا يمكن أن يكون بكاء الشاعر سبباً في انهيار الديار ومحو الطرقات ، ولكن يمكن أن نؤول الصورة ( تنهار الديار ) بإحساس الشاعر بانعدام الأمن الداخلي والغربة والوحشة فالعلامة ديار تستدعي (الحماية والأمن والأنس والمحبة..إلخ) وانهيارها يعني غياب كل هذه المعاني .كما يمكن تأويل ( وتمّحي الطرقات)بشعوره بالتيه والفراغ الوجودي واستحالة الوصول لمعاني الحياة.وكذلك نجد المجاز:(يردعني صهيلٌ دامي) يوحي بأطياف دلالية متعددة،فيمكن أن يكون المقصود بـ(دامي)لون الخيل التي تحمل المحبوبة، ويكون الصهيل هنا مؤشر أمل لعودة الحبيب وهذا الأمل هو ما يجعله يكف عن البكاءأي (يردعه ) عن البكاء ،وكذلك يمكن أن نؤول الصورة كدال على خيل تحمل نذيرا كأن تكون الخيل التي أخذت الحبيبة ونأت بها، وقد عبر الشاعرُ عن النذير بالإشارة (دامي) فالعلامة دامي تختزل بالقوة (معاني الجرح والحرب والهلاك)،وبهذا التاويل يكون الدال (يردعني) ليس بمعنى يمنعني من البكاء بل بمعنى التخويف وإنذاره برحيل المحبوبة.
“و الرملُ صوت الأنبياء ِ يردني لطفولةِ النائين دون هلامي”
الرمل رمز للتنبؤ ومعرفة المستقبل ، والشاعر هنا لا يريد من المستقبل سوى عودة الطفولة فيه كما تدل على ذلك العلامة(..يردني لطفولة..) ،فالبيت يجسد زمنا مجازيا يعيشه الشاعر و يعود فيه إلى طفولته عودة مجازية ومن ثم يتحرر من واقعه . فالواقع مشار إليه بالتضمين إذ تقتضي العودة إلى الذكريات نقيضها وهو الواقع.
“أحكي انكماش الفجر حين سلكتُهُ متصاعد الزفرات والإرزامِ”
يكشف البيت عن محاولة الشاعر الفكاكَ من واقعه والتحليق في عالم الحلم،وقد وظف
العلامة (الفجر ) ليحيل إلى مدلول واسع يمثل كل ما هو ايجابي ومشرق ومن ثم كل ما هو مثالي ، في حين استخدم الاستعارة (انكماش الفجر ) للتعبير عن الصعوبات والمشقات التي يواجهها في طريقه للمثال ، فالفجر يرمز للمثال والانكماش يجسد عبقات الواقع التي تحول دونه ، وهذا ما جعل حاله اثناء عبوره للفجر (متصاعد الزفرات والإرزام) وهي مؤشر لتعبه، وهذه الصور أبرزت المجردات في هيئات مادية اذ جعلت الفجر(الحلم ،المثال ) في هيئة مرتفعات عالية وجعلت التعب الذي يعتري الشاعر أثناء تجاوز عبقات الواقع في هيئة رجل يصعد تلك المرتفعات بتعب ومشقة
“واللّيلُ كالإعصار مرَّ بخاطري يحسو سلاف العامِ تلو العامِ “
عمد إلى تقنية التجسيد كدال سيميائي لتركيب صورة مادية للذكريات التي تخطر له ليلاً ، وما يثيره الليل في نفسه؛إذ يكشف الانزياح (الليل كالإعصار ) عن الجو النفسي للشاعر فهذه العلامة تدل أن الليل بنسبة للشاعرــ بالإضافة إلى كونه شريط يعيد الذكريات ــ مثيرٌ للقلق والاهتزازات النفسية . والليل هنا دال يحيل على كل ما هو سلبي . كما تكشف الاستعارة (سلاف العام) عن أثر الذكريات في نفس الشاعر وموقفه منها؛فهي كلما طال عهدها كلما تعتقتْ وزاد أثرها في نفسه
“مترنحاً أرميهِ ،يبسمُ هازئاً وخُطاهُ نزفٌ منتهى الإقدامِ “
تتواصل جدلية الليل/الشاعر وقد لجأ هنا إلى تقنية التشخيص ليصف أثر الليل في نفسه
فجعل الليل في هيئة كائن يحاول الشاعر التخلص منه بمشقة كما تجسد ذلك الصورة(مترنحا أرميه) إلا أن الليل يجابه ذلك بابتسامٍ هازئا بالشاعر،كما جعل لليل خطى تسبب النزف ،وذلك بتقدير محذوف أي (وخطاه نزف لي) فهذه الصورة تجسد أثر الليل المؤلم بالنسبة للشاعر،إن لليل وقعاً قويا في نفس الشاعر يثير الجروح والآلام فالعلامات ( يبسم هازئا خطاه نزف) تصور قوة الليل وتكشف عن يأس الشاعر وعجزه عن التخلص من الليل .والليل هنا يمكن أن يكون دالاً حراً يمثل سلبيات الواقع.
“ينأى ويخبو خلف ضحكته التي ظلت تمَاوَجُ كالغمامِ الطامي”
تتواصل جدلية الليل/الشاعر في هذا البيت ، وقد اعتمد الشاعر هنا أيضاً على الانزياح
ليصف علاقته مع الليل وهي علاقة لا تستقر على حال واحدة فبعد أن يفعل الليل ما أراده ينأى ويترك أثره في شاعرنا ويتوارى وراء ضحكة مراوغة (تماوج) وهي علامة تجسد إثر الليل في نفس الشاعر وما يصحبه من قلق.
“مزّقْتُ أغشية النعاس أمطتُها عن نخل فاجعتي فكان هيامي”
(أغشية النعاس) استعارة تصور ما يحجب الآلام أما تمزيق أغشية النعاس يعد علامة مركبة تصور مواجهة الشاعر لآلامه وعدم الهروب منها بالنوم وهذا يشاكل الصورة(أمطتها ) فهذه الصورة تدل أن الشاعر أزاح أغشية النعاس عن آلامه التي جسدتها العلامة (نخل فاجعتي)، فالشاعر يعري آلامه لأن الألم عنده مرتبطة بالهيام ارتباطا سببيّا كما يدل التركيب(فكان هيامي) بمعنى أن كشف الغطاء عن آلامه يفضي للهيام ، فالشاعر يتلذذ بآلامه لارتباطها بالهيام، أما تصويره للآلام ب(نخل فاجعتي) أبرز حجم الآلام التي يعيشها الشاعر فطول النخل يجسم حجم الفاجعة.
2ــــــ البحث عن اليقين:
” رفّتْ قرى الكلمات دون مدامعي حطّتْ كواكبَ في جناحِ يمامِ”
في سياق مجازي شديد التوتر ألف صورة رمزية ترمز لتشكيل الشاعر لعالمه الخاص وتحليقه في ذلك العالم فهذا البيت هو تصوير للعالم الشعري ، حيث ترمز العلامات (رفت، جناح ) إلى التحليق في فضاء المثالِ الشعري والشاعرِ المُحلق هناك، وتجسد العلامة:(قرى الكلمات) عالمَ المثال الذي يخلقه الشعر، وترمز العلامة (كواكب) على ما يهتدي به الشاعر،ومن ثم فإن البيت يوحي بتجاوز الواقع لعالم الشعر ، هو تجاوز الشاعر لأحزانه المشار إليها بالدليل (مدامعي) . كذلك يمكن أن يكون ـتأويل هذا التركيب (رفت قرى الكلمات دون مدامعي) بأن الشعر كان أضيق من أحزان الشاعر لم يستوعبها.
” عنونْتُها بالزهو عقلاً حائراً ورؤى مآذنَ بضة الأكمامِ “
وهذا البيت هو امتداد للبيت الذي قبله حيث يحيل الضمير الهاء في عنونتها إلى
قرى الكلمات/عالم الشعر،فهو يواصل رحلته الإشراقية ويحاول التحرر من لا جدوى الحياة وغياب معناها وذلك بوضعه للأشياء عناوينا داخل عالمه الشعري فهو في حيرة تحاول تعريف الكون من جديد ، حيث تدل العلامة التي جاءت حالاً (عقلا حائر،رؤى مآذن) على التيه والتساؤل الذي يحاول إضاءة غموض الأشياء؛ فالعقل المتصف بالحيرة هنا يجسد الشكوك التي تحاول تجلية الغامض العلامة (رؤى مآذن) تجسد لحظة البحث عن اليقين ، فالمئذنة دائما ما تكون دليل للتائهين وأضافتها للرؤى يجسد رؤيةَ الشاعر لليقين وعدمَ وصوله له ،فالرؤى- حسب السياق هنا- تشير أن المآذن تتراءى للشاعر ولما يصل إليها.
ــ إن الحيرة في هذا البيت دال حرٌّ يجسد كل ما يحجب الشاعر في الواقع عن المثال: (الحبيبة،الماضي،عالم الشعر)
“و أضأتُ أشرعتي انتشرتُ خلالها متنافر الأرواح والأجسامِ “
يواصل الشاعر البحث عن اليقين الذي يمثل عالم المثال،وهذا البيت يعد تفرعاً دلاليا للأبيات
السابقة، وقد جسد هنا معاني الانطلاق إلى اليقين ، وتأرجحَه بين عالم المثال وعالم المادة من خلال الصورة:(أضأت أشرعتي)فالإضاءة دليل سيميائي يوحي بالبحث ومحاولة
الاكتشاف والأشرعة تجسد انطلاق ورحلة ذلك البحث، والصورة (متنافر الأجساد والأرواح) تجسد التأرجح بين المثال والواقع ..فهو في لحظة بينية ، تتموقع بين هذين العالمين
“حتى إذا انطفأت حمائم مهجتي أسلمتُ بوصلة الظنون زمامي”
في هذا البيت تكتمل الحيرة وتأخذ شكلاً معتماً ، فالروح التي كان لها حدسٌ يحلق في المجهول قد انطفأ ولم يعد لها إلا حيرتها ومع هذا الانطفاء لم يستسلم بل واصل رحلته مهتدياً بالظنون
الحمام يرمز للتواصل مع الآخر والاستطلاع ،ومعرفة أخبار الجهة المقابلة ،وبناءً على ذلك فهو هنا يجسد وسائل اتصال الشاعر بالمثال كالحدس التخيل البصيرة..الخ.
وقد استخدم الانزياح المزدوج (انطفأت حمائم مهجتي) لتجسد انطفاء الحدس والبصيرة،واستخدم الانزياح (بوصلة الظنون) ليكشف عن حيرته إذ لم تعد له بوصلة سوى ظنونه.
3ـــ الانطلاق نحو المثال:
“و رميتُ عن قوسي حرورا صاخباً سارت بنات الرمل في إعظامي
أعدو خطايَ السدرُ، خيلُ حكايتي ما انفكَّ يعزفُها بخارٌ حامِ”
يصور البيت (ورميت عن…) سرعة الانطلاق وقوته حيث استبدل الشاعر الكلمة سهم ب (حرورا) والعلاقة هنا المشابهة، أي أن الشاعر شبه سرعة انطلاق السهم وقوته بالنار، والعجز يعضد معنى هذه السرعة عبر المبالغة ،فإكبار النعام (بنات الرمل) ــ وهي من أسرع الحيوانات ــ وتعظيمها للشاعر بسبب السرعة يوحي بذلك، وذلك بتقدير فاء سببية محذوفة أي (فسارت بنات الرمل…)
(أعدو…)في هذا البيت يواصل تصوير الانطلاق ، فمن خلال الصورة المركبة من تشبيه(خطاي السدر ) ورمز السدر الذي يرمز إلى الغاية والمنتهى ، ودلالة الفعل (أعدو) أحالنا إلى الشاعر لصورة مجازية تجسد سيره السريع في رحلته لحكاية الماضي(المثال) ،وبلوغه أقاصيه. لكن سرعة الشاعر تقابلها سرعة خيول حكايته التي يحاول الوصول إليها كما تدل على ذلك هذه الصورةُ(خيل..بخار حام) التي فيها تداخلت معطيات الحس حيث خرجت الخيول من صفتها الجمادية إلى صفة غازية ، وذلك إشارة إلى شدة سرعتها أي تحولها بسبب السرعة من مادة إلى طاقة.
“أقفو خطى الماضينَ نحو خلودِهم كرؤاك ينْسَلُّونَ من قُدَّامي”
يواصل الشاعر رحلته للتخلص من الواقع المشار إلى ضمنياً في البيت،فالبحث عن الخلود يستدعي نقيضه أي المؤقت(الواقع)ونلاحظ أن الخلود هنا حلم يظهر كرؤى المحبوبة أمام الشاعر،وفي ذلك أشارة تدل على أن هذين الحلمين :الحبيبة والخلود هما ما يُهَجّس الشاعر.
“النايُ أهْرَقَني نماءً خافتاً وجداولاً مذعورةَ الأيامِ”
إن القيمة الدلالية للعلامة (ناي) تكمن فيما تتضمنه أي موسيقاها،التي تعد وسيلة تجاوز للواقع وعلو إلى المثال ، وإذا ربطنا(الناي) بالجملة التي وقعت خبرا له (أهرقني نماء خافتا) نلاحظ أن الجملة تشير إلى أن موسيقا الناي لم تسمُ بالشاعر إلى الذورة التي يريدها فقوله (أهرقني) يحيل التدقف الفني الشعري ، ويجسد المجاز (نماء خافتا) أن التدفق الفني لم يسمُ بالشاعر إلى العلو المطلوب ، أما المعطوف على الحال نماءً(وجدولا …) فهو يمثل دليلا ايقونياً لما تسبب فيه الناي حيث استعاد له صخب الحياة ورعبها ذلك أن الدال (جدولاً )يرمز للحياة وتشير صفته (مذعورة الأيام ) إلى الرعب الشديد في تلك الحياة .
الصورة عموما صورة مائية مائعة تبدأ بالتدقف الشاعر شعرا شجنا حلما عبر الناي (الفن) وانثيال أيامه وذكرياته كذلك عبر الناي (الفن).
فالفن(الناي) هو وسيلة للسمو لعالم المثال او المطلق.
” وأضاءَني وترُ انتظارِك رنّقتْ أشجانُه البيضانُ في هندامي”
يكشف الانزياح (أضاءني وتر انتظارك) عن ضوء الأمل الذي أطرب الشاعر وأسعده
ولكنها سعادة يتخللها الحزنُ إذ تجسد الصورة (رنقت أشجانه البيضان) شعورا مزدوجا بين الحزن والفرح،فالعلاقة رنقت تشي بالفرح ولكن فاعلها (أشجانه) تعطي مدلولا معاكساً لها ، في حين توحي العلامة (البيضان) بالحزن والفرح كليهما ، وذلك لما في اللون الأبيض من اتساع دلالي يجعله مؤشر حزنٍ وتفاؤلٍ حسب السياق وهذا البيت يُزاوج بين الشعورين ، وذلك طبيعي في حال الانتظار التي تتأرجح بين الأمل وخيبة الأمل.
“فحذفْتُ” نونَ” النّسرِ ثم فضحتُها الأشواقَ، جُبْتُ حدائق الآلامِ “
يكشف البيت عن صيرورة دائرية ابتدأت بتحليق الشاعر الذي تحيل إليه العلامة (نسر)
ثم تعريته للأسرار ويحيل إلى ذلك قوله:(حذفت نون النسر)والانزياح(فضحتها الأشواق) ثم التحليق مجددا و التحليق هنا ليس للوصول حلم وإنما هو تحليق داخل فضاء النفس المشحون بالآلام وإن الثنائية(حدائق –الآلام)هي علام مركبة تجسد تلذذ الشاعر بآلامه ، حيث جسد آلامه في شكل مادي يتسم بالجمال فهي حديقة (جبت حدائق الآلم)،وهذه الصور تبرز موقف الشاعر من ماضيه إذ يراه جميلاً على الرغم من الآلام التي تركها ، ولذلك يجوب حدائق آلامه كطائر متجاوزا الواقع.فالدال(حدائق الآلام)يجسد العالم المثالي باعتبار أن المكان هنا ليس مكان في العالم الموضوعي بل هو مكان متخيل داخل نفس الشاعر.
“ماستْ بيَ الأنحاءُ كنتُ خُمارَها لُدَنَ الغصونِ ورقرقاتِ الهامِ”
هذا البيت امتداد لنواة البيت السابق ، فالشاعر قد وصل بالفعل بعد أن جاب آلامه ، وصل إلى العالم الذي يبحث عنه ، حيث أسكره المكان وماست به أنحاؤه هو مؤشر لشدة نشوته بالمكان،والمكان(الأنحاء)هنا ليس امتدادا للمكان الفيزيائي بل هو نقيض للواقع ، فقد خرج عن دلالاته الحقيقية هنا ليدل على شيء داخل نفس الشاعر ، فالمكان هنا امتداد لذات الشاعر ، وما يدل على ذلك العلامة(كنتُ خمارها)،فالسكرة ليست نتيجة لشيء خارجي بل هي من ذات الشاعر نفسه ، في هذا البيت اكتمل السمو وانزاح الواقع وحل محله حلم الشاعر وانحسرت نبرة الحزن وانتشر شعورُ السعادة والتلذذ،فمفردات البيت كلها تشيع شعور البهجة والطرب..
“أوتارُ روحي حينَ لُحْتِ تقطّعتْ من فرطِ ما احتملتْهُ من أنغامِ”
يصور البيت لحظة اندهاش وذهول من جمال الحبيبة،ومن هنا فالبيت يمثل زمنا مثاليا عاشه الشاعر،وقد عمد الشاعر لتركيب هذا المعنى للانزياح (أوتار روحي..تقطعت) وهي صورة تجسد عدم تحمله جمال المحبيبة وذهوله وفي هذه الصورة و تشيءُ الشاعر بحيث جعلته مجرد أوتار تعزفها يدٌ متيافيزقية (العاطفة) وتجسد الصورة (من فرط ما احتملته ) ما أملاه جمال الحبيبة على الشاعر حتى أصابه الذهول والعجب.
والبيت يوحي بحتمية العاطفة في توجيه حياة الإنسان
“فإلام يحجبُني غرورُكِ والنّدَى ونظلُّ بين ترقُّبٍ وتَعَامِ “
يكشف البيت عن طبيعة المرأة النفسية وموقفها تجاه الرجل ،ذلك الموقف المتأرجح بين غموضها وصدها من جهة ، ووضوحها وإغرائها من جهة ، مما ينعكس على حال الرجل
فيكون بين ترقب إذ أغرته وعماء إذ صدّتْه ُ ، وقراءة البيت على النحو تحتم علينا تأويل محذوف ، دلت عليه العلامة (ندى) الواقعة في معنى الإغراء لذلك يمكن إعادة تركيب الجملة على هذا النحو : يحجبني غرورك ويغريني الندى ، وهذا الافتراض يتسق العجز الدال على الأمل ، وخبية الأمل. جعل من الاستفهام دالا ليعبر عن حيرته تجاه الحبيبة التي تغريه وتصده في آن واحد . فالصورة يحجبني غرورك ، تجسد تمنعَ الحبيبةِ وغموضَها في آن. والصورة (يغريني الندى ) تصور نقيض الموقف السابق ، ذلك أن كلمة الندى توحي بالوضوح والكرم .
وينتج عن هذين الموقفين ، موقفان موازيان للحبيب ، فالصورة (نظل بين ترقب وتعام)
تكشف عن حال الحبيب المتأرجحة بين الأمل الذي يحييه الندى وخبيبة الأمل بسبب غموضها وصدها
“عيناكِ مثقلةُ الضّحايا لم تزل كهزيمتي تسَّاقطَانِ أمامي”
شكلت الاستعارة أيقونةً مرئية للضحايا /العشاق الذين رمتهم عيناه ، فهي كأرض واسعة ملأى بالضحايا وإن استبدال المفرد (العشاق )بالضحايا يبرز تأثير تلك العينين وقدرتها عل إيقاع الناس في حبها وكذلك استخدامه( مثقلة)بدلاً من ملأى أو مسكونة ، يعد مؤشراً لكثرة عدد ضحايا عينيها ، وهو كأحد ضحاياها تلاحقه عيناها كهزيمة يراه أمامه أينما ما اتجه
“ما زالَ يُجْهِشُني غموضُك فانظري كيف انسكبتُ ضحيّةَ التّهيامِ “
يُعد قوله (..يجهشني غموضك) نمواً لدلالة الصورة السابقة(يحجبني غموضك)
فهنا مازال غموضها يبكيه لذلك يدعوها أن تنظر لحاله ، إذ صار ضحية للهيام .
في البيت تداخلت معطيات الحس ، فأصبح ما هو صلب(الشاعر ) في هيئة مائعة في (كيف أنسكبت) وهذه الصورة المائعة للذات تشاكل صورة الدموع ،التي يتضمنها قوله (يجهشني).
“أختالُ كالنّهرِ الطّريدِ أراوغُ الأغصانَ يرشفُني خيالٌ ظامي”
يواصل تصوير ذاته في شكل مائع(كالنهر)؛ليصف لحظة لاواقعية قد تكون لحظة التدفق الشعري أو دخوله عالم الذكريات أو الحلم، إذ حيث شبه ذاته بنهر يراوغ الأغصان حتى يصل إلى الخيال الذي ، يمثل عالم المثال .
وثمة علاقة شبه ضدية بين جريان النهر(الشاعر) صوب عالمه المثالي ، وبين الأغصان ، التي ترمز لعقبات الواقع التي تعترض هذا الجريان ، وهذا التضاد أبرز عناء الشاعر في تجاوز الواقع للمثال من جهة وعقبات الواقع التي تعترض طريقه ،ولذلك عبر عن تجاوز لتلك العقبات بقوله (أراوغ الأغصان) ، فالأغصان هنا ليست مؤشرا جماليا بل هي دال يجسد عقبات الواقع الذي يحاول الشاعر تجاوزها .
“أشتارُ أحلامَ السفينِ وأمّحي مستنفراً سُفنِي إلى أحلامِي”
بصورة مركبة وصف رحلته إلى عالم الأحلام، وسائل تلك الرحلة خارجاً بمفردات اللغة من معاييرها إلى أفضية دلالية جديدة ، فالسفينة ليس لها أحلام إلا مجازاً باعتبار أن الأحلام لصاحبها وهي الوسيلة لبلوغ تلك الأحلام، ف(السفين وسفني) – حسب السياق الدلالي للنص- لا يكمن أن تكون بمعناها الحقيقي بل هي رمز لوسائل عبور الواقع كالخيال الشعر التذكر..الخ، وهذا يتسق مع المجاز:(مستنفرا سفني) إذ حيث شبهها بفرسان القبيلة الذي يتم استنفارهم لتحقيق مآربها فالشاعر كذلك يستنفر سفنه الخيالية للوصول لأحلامه (عالم المثال).
“وأعودُ أختصرُ الوجودَ وهِمّتي حقلاً يذوبُ ونظرةَ استسلام”
يكشف البيت عن شعورين شبه نقيضين وهما الفخر والإستسلام، تجسد الصورة (أختصر الوجود حقلا يذوب) فخر الشاعر بقدرته على إعادة تشكيل الوجود وفق رؤيته الشعرية، وما دلنا على ذلك أن قوله (حقلا يذوب) واقع حالا وصاحب الحال هنا الوجود والعامل هو الفعل(اختصر) أي اختصر الوجزدَ في حقل يذوب
أما الشعور الثاني هو اليأس والاستسلام حيث تدل الصورة (أختصر …همتي نظرةَ استسلام) أن همة الشاعر المتمثلة في محاولات تجاوز الواقع لا تثمر؛ فالشاعر ينتهي نهاية تراجيدية يستسلم فيها البطل للواقع رغم المحاولات السابقة ، وما يدل على هذا التأويل وقوع (نظرة استسلامي ) حالا لهمة الشاعر والعامل كذلك (أختصر) ي أختصر همتي في نظرة استسلام.



إرسال التعليق