العلمانية ضرورة تأسيسية للسودان - صوت الوحدة

العلمانية ضرورة تأسيسية للسودان

العلمانية ضرورة تأسيسية للسودان

إن الإشكال الجوهري الذي ستواجهه حكومة التأسيس القادمة هو القدرة الفعلية على تمليك المفاهيم الكبرى المنصوص عليها في الميثاق التأسيسي، وعلى رأسها مفهوم العلمانية. فالعلمانية، في سياق السودان المتعدد إثنيًا ودينيًا وثقافيًا، تمثل ضرورة سياسية وأخلاقية تهدف إلى ضبط العلاقة بين الدين والدولة، وبين المقدس والمواطنة، دون نفي أو إقصاء.

لقد اتسمت الدولة السودانية، في حقبها السابقة، بطبيعة كليانية قامت على إقصاء منهجي لفئات وشرائح اجتماعية بأكملها، بسبب اختلافها العقائدي أو الإثني، كما هو الحال بالنسبة للمسيحيين، أو غير المتدينين، أو أصحاب المعتقدات المحلية الأصيلة في جنوب السودان وشماله. وقد تم اختزال مفهوم المواطنة في انتماء ديني وثقافي محدد، ما حوّل الدولة إلى كيان إقصائي، فاقد للحياد، ومتواطئ مع منظومة الهيمنة الإسلاموعروبية، التي كان لها الدور الأكبر في تمزيق السودان على مرّ التاريخ، وجرّه إلى أتون صراعات وهويات قاتلة.

من هذا المنطلق، تمثّل العلمانية أداة ممتازة للتحرر من الهيمنة الأيديولوجية الأحادية والمشاريع الرجعية، وتشكّل صمّام أمان في وجه المشروع الإسلاموعروبي، الذي استخدم الدين غطاءً لإعادة إنتاج الاستبداد والطغيان. فالعلمانية، في أصلها، ليست نزعة عدائية تجاه الدين، وإنما آلية عقلانية تضمن التعدد، والعدالة، والكرامة الإنسانية في آنٍ واحد، وتُقيم الدولة على أساس مبدأ المواطنة، لا المعتقد.

ومع ذلك، ينبغي التنبّه إلى التجارب السابقة في فشل مشاريع العلمنة في الدول ذات المجتمعات المشابهة نسبيًا، مثل بعض الدول العربية. وقد أشار إلى ذلك [عادل ضاهر] في كتابه “الأسس الفلسفية للعلمانية”، حيث بيّن أن العلمنة في السياقات العربية غالبًا ما كانت ذرائعية، ولم تكن حركة فلسفية نقدية شاملة تعيد مساءلة البنى الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية، بل كانت في الغالب إجراءات سلطوية أو مقولات نخب منفصلة عن مجتمعاتها.

ومن بين الأسباب التي تناولها في كتابه أيضًا، أن العلمانية لم تُعرّف في سياقاتنا انطلاقًا من الحاجة المحلية أو العقل النقدي المحلي، بل استُحضرت بوصفها نموذجًا أوروبيًا جامدًا، ارتبط تاريخيًا بالصراع مع الكنيسة والدولة الثيوقراطية. وهنا انحرفت بوصلتها؛ فبدلًا من أن تكون فلسفة للعدالة والتعدد، أصبحت تُستقبل شعبيًا كعداء صريح للدين.

لذلك، فإن تطبيق علمانية رشيدة في السودان يتطلب أولًا تحولًا تدريجيًا في الوعي الجماعي، مصحوبًا بدراسات سوسيولوجية معمّقة تقرأ البنية الاجتماعية والدينية في السودان، وتعيد تشكيل المفاهيم من داخل الحقل الثقافي المحلي. ويجب بناء العلمانية من داخل المجتمع، عبر خطاب عقلاني، حواري، يراهن على النقد والتعدد، ولا يعتمد على الإقصاء.

من هنا، فإن العلمانية المنشودة في السياق السوداني هي مشروع تحرري شامل يسعى إلى إعادة التأسيس، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو الامتيازات الدينية. ويجب أن يُبنى خطابها من الواقع السوداني، وأن يتجاوز الاستنساخ النظري للنماذج الغربية، متجهًا نحو بناء علمانية نقدية تصالحية، تنبع من الحاجة إلى العيش المشترك، بعيدًا عن صراع الهويات أو الانتقام الأيديولوجي

إرسال التعليق

لقد فاتك