الروائي/ محمد عبدالله:فقر الأرواح في عصر الاستهلاك - صوت الوحدة

الروائي/ محمد عبدالله:فقر الأرواح في عصر الاستهلاك

في مدينةٍ لا تنام، صاخبةٍ بأضواء النيون وشاشات العرض العملاقة، كانت ليلى تقف أمام المرآة، لا لترى نفسها، بل لترى ما يريده المتابعون، كانت ليلى تظن أنها تملك العالم لأنها تملك مليون إعجاب، لكنها لم تدرك أنها كانت تفقد نفسها مع كل ضغطة زر، بدأت الحكاية حين طرقت بابها وكالات الموضة قالوا لها: أنتِ مادة خام للنجاح، ولم يقولوا أنتِ إنسانة، تحولت ليلى تدريجياً من طالبة تعشق الأدب إلى منتج يُعرض في المزارد العلنية.
في الفيديو كليب، كانت مجرد إطار جميل يرقص خلف مغنٍ لا يعرف اسمها في الإعلانات، كانت أداة لإغراء المستهلك بشراء عطر لا تحبه في وسائل التواصل، أصبحت حياتها عرضاً مستمراً يقتات على ثنائها المديح الفارغ، ذات ليلة بعد حفل صاخب مُلئ بالضحكات المصطنعة، عادت ليلى إلى شقتها الفاخرة، نظرت إلى أكوام الثياب ذات الماركات العالمية، وإلى العقود التي تدر عليها آلاف الدولارات، وشعرت فجأة ببردٍ شديد.
تذكرت مقولة قرأتها قديماً: إن الفقر ليس في الجيوب الخاوية، بل في العقول الفارغة والأرواح المستلبة أدركت ليلى أنها أصبحت جسداً بلا عقل كما وصفتَ تماماً؛ عقلها يقبل كل ما يُملى عليه من تريندات هابطة، طالما أن الثمن هو الشهرة، لقد أعمى بريق المال بصيرتها عن صون كرامتها، فصارت سلعةً تُباع وتُشترى في سوق النخاسة الرقمية، في الصباح التالي، حدث ما لم يتوقعه أحد، نشرت ليلى صورةً لها بلا مساحيق تجميل، بلا إضاءة سينمائية، وبلا ملابس فاضحة.
كتبت تحتها جملة واحدة، الجسد يفنى، والعقل يبقى، وأنا اخترت أن أسترد عقلي، انهالت عليها الانتقادات من تجار الفيديو كليب ومنظمي عروض الموضة؛ فقد أصبحت بضاعة تالفة بالنسبة لهم لأنها قررت أن تملك فكراً، لكن في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت ليلى بالغنى الحقيقي، إن قصة ليلى هي قصة آلاف النساء اللواتي وقعن في فخ الاستهلاك، الفقر الذي نراه اليوم في شوارعنا ليس فقر المال، بل هو فقر المبادئ الذي يمشي في أحرش المدن مرتدياً أفخر الثياب، لكنه يفتقر إلى ستر العقل وصيانة الروح.
عندما يتحول الجسد إلى تريند نعيش اليوم في ذروة عصر الاستهلاك، العصر الذي لم يعد يكتفي ببيع السلع والخدمات، بل امتدت مخالبه لتطال الجوهر الإنساني، وتحديداً كيان المرأة، في هذا المشهد الصاخب، تحولت الشاشات والمنصات الرقمية إلى ما يشبه سوق نخاسة حديثة، حيث يُقاس الرقي بمقدار العري، وتُحدد القيمة بمقدار التفاعل المادي لا الفكري.
تسليع الجسد وسطوة المادة لقد نجح تجار الفيديو كليب وصناع الإعلانات الهابطة في تحويل المرأة من كائن ذي فكر ورسالة إلى مجرد مادة خام للكسب السريع، إن ما نراه اليوم في عالم الموضة وبعض الأفلام ليس تحرراً كما يزعم البعض، بل هو استعباد جديد تحت مسمى الموضة والشهرة عندما يُعرض الجسد كأداة للجذب التسويقي، تفقد المرأة تدريجياً حقها في أن تُحترم كعقل وشخصية، وتصبح مجرد رقم في حسابات الأرباح والخسائر.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في إغراءات المال فحسب، بل في تفريغ العقل، إن سطوة الشهرة المزيفة أعمت الكثيرات عن حقوقهن الحقيقية في الكرامة والخصوصية، أصبح العقل مستقبلاً سلبياً لكل ما يُعرض عليه من صيحات وأفكار، دون فحص أو نقد، حين يطغى الاهتمام بالقشرة الخارجية، يضمر الجوهر، حتى نكاد نرى أجساداً بلا عقول، تتحرك وفق ما تمليه خوارزميات الشهرة والانتشار.
الفقر الذي يمشي على رجلين عندما تتحدث عن الفقر ككائن يمشي فينا على رجلين، فإنك تضع يدك على الجرح الغائر، إن الفقر الذي يعاني منه مجتمعنا المعاصر ليس فقر الرصيد البنكي، بل هو الفقر القيمي، إن المرأة التي تبيع كرامتها الفكرية من أجل إعجاب عابر أو عقد إعلاني رخيص، تعيش أقصى درجات الفقر، حتى وإن سكنت القصور، هذا الفقر يتجول في أحرش المدن والقرى، يغوي الفتيات بالسراب، ويوهم المجتمعات بأن الرقي يكمن في التقليد الأعمى وتهميش العقل. إن ضياع الحقوق يبدأ عندما تقتنع الضحية أن قيمتها محصورة في مظهرها لا في مخبره، وفي قدرتها على الإغراء لا على البناء.
ختاماً إن صون حقوق المرأة يبدأ من استعادة سيادتها على عقلها، ورفض أن تكون مجرد سلعة في سوق الاستهلاك العالمي، إننا بحاجة إلى ثورة وعي تعيد الاعتبار للفكر والجوهر، وتكشف زيف الفقر الأخلاقي الذي يتستر وراء ثياب الموضة البراقة، الكرامة لا تُباع في المزادات، والعقل هو الحصن الوحيد الذي يحمي الإنسان من التحول إلى مجرد أداة في يد تجار المادة.

إرسال التعليق

لقد فاتك