سارة السعيد : القرن الأفريقي: القلب المعدني الجديد للنظام العالمي
لماذا تتحوّل منطقة طالما عوملت كهوامش إلى مركز قوة القرن الحادي والعشرين
لم يعد القرن الحادي والعشرون يُصاغ عبر الأيديولوجيا أو السيطرة على الأرض، بل اصبح يعرف عبر المعادن التي تشغّل أنظمة الكهرباء، والبنى الرقمية، وحروب الخوارزميات. فالعالم اليوم لا يدور حول القرن الأفريقي فقط، بل يتحرّك من خلاله.
لقد سرّع التحول العالمي في الطاقة من تحوّل بنيوي عميق في موازين القوة الجيوسياسية. فالمعادن الحيوية — لا النفط، ولا الأيديولوجيا، ولا الجغرافيا السياسية التقليدية — باتت هي التي تحدد هرمية الدول. ومع دخول العالم عصر الكهرباء، وتخزين الطاقة، والحرب الخوارزمية، أصبح الصراع على الليثيوم، والكوبالت، والنيكل، والعناصر الأرضية النادرة هو المحور الحاسم للسياسة الدولية. ولا يتجلّى هذا التحول في أي مكان بوضوح مماثل لما نشهده في القرن الأفريقي، تلك المنطقة التي طالما وُصفت بالهامشية، اصبحت اليوم تتشكّل بوصفها القلب المعدني للنظام العالمي.
ويعكس هذا التحول إعادة تشكيل أوسع للقوة العالمية، تنتقل فيها الأهمية من المؤسسات إلى البنى التحتية المتمثلة في أنظمة الاستخراج، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، والشبكات. وهنا يكتسب القرن الأفريقي أهميته البنيوية لأنه يقع عند تقاطع ثلاث طبقات حرجة إلا وهي : احتياطيات معدنية عميقة، ومضائق بحرية متنازع عليها، ودول ضعيفة البنية المؤسسية قابلة لإعادة التشكيل الخارجي. اذن بالمنطق المنظومي، يشكّل الإقليم مفصلًا متعدد الطبقات في الاقتصاد المعدني الصاعد.
تجسّد إثيوبيا هذا التحول بوضوح استثنائي. إذ تشير المسوحات الحديثة إلى احتمال امتلاكها أكثر من ثمانية ملايين طن من الليثيوم، ما يضعها بين أكبر الاحتياطيات في أفريقيا. فبينما تسعى الصين إلى دمج الليثيوم الإثيوبي ضمن منظومتها المعدنية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، بما يعزّز هيمنتها على صناعة البطاريات العالمية. في المقابل، تعمل واشنطن على منع ذلك عبر إعادة تشكيل البيئة السياسية واللوجستية المحيطة بممرات الاستخراج الإثيوبية. أما دول الخليج، ولا سيما الإمارات، فتنتهج استراتيجية «الموانئ مقابل المعادن»، حيث يجري ربط الاستخراج بشبكاتها اللوجستية المتوسعة. وتدور هذه المنافسات داخل دولة تعاني من اصلاً من تفكك داخلي، وهشاشة اقتصادية خطيرة، بالإضافة إلى هواجس استراتيجية غير محسومة — من بينها البحث عن منفذ بحري. وبهذا تحوّلت الثروة المعدنية الإثيوبية إلى واحدة من الأدوات التي تستخدمها القوى الخارجية لإعادة تشكيل مستقبل البلاد.
وتتكرّر الدينامية نفسها في السودان، ولكن بصورة أكثر تفككاً. فقد أُدرجت حقول الذهب، وآفاق العناصر الأرضية النادرة، ومناطق اليورانيوم ضمن شبكات استخراج تتجاوز الدولة بالكامل. لا يُعامل السودان الان بوصفه سلطة سيادية، بل كحيّز قابل لإعادة التشكيل عبر الدوائر المالية، وتفاهمات الموانئ، والشراكات العسكرية. ولم تُبطئ الحرب التي اندلعت عام 2023 هذه المنظومات، ولكن عمّقتها. إذ توسّعت صادرات الذهب السوداني — المقدّرة بأكثر من خمسين طناً سنوياً — في ظل الانهيار الشامل للدولة. كما كشف التنافس على ميناء بورتسودان، ولا سيما سعي روسيا إلى موطئ قدم بحري دافئ، مدى التداخل بين الاستخراج المعدني، والنفاذ البحري، وسياسات المنع المنظومي. على الرغم من انهيار السودان لم يقلل ذلك من قيمته الاستراتيجية، بل كشفها.
أما إريتريا، وممر بيشا تحديداً، فيمثّل طبقة بنيوية مختلفة لانها مناطق معدنية عالية القيمة، شديدة الضبط، تجذب فاعلين ذوي قدرات تقنية عالية. فالنحاس والزنك، ومعهما مؤشرات على عناصر أرضية نادرة، يربطان إريتريا بسلاسل صناعية صينية وغربية على حد سواء. كما يمنحها قربها من البحر الأحمر وزناً إضافياً داخل منظومة المعدن–البحر، حيث بات الاستخراج والشحن والتموضع البحري بنية واحدة مترابطة. ويؤمّن التمركز السياسي درجة من التنبؤ للمستثمرين، لكنه لا يحصّن البلاد من التدخل الخارجي؛ بل يجعل ممراتها المعدنية أكثر وضوحاً من الناحية الاستراتيجية.
أما كينيا وتنزانيا يشكلا الجناح الشرقي للاقتصاد المعدني الإقليمي. فاحتياطيات العناصر الأرضية النادرة، إلى جانب ممر لابسِت (LAPSSET) وتوسّع البنية المينائية، تضعهما كبوابات لوجستية لاستخراج أفريقيا ومسرح التنافس البحري في المحيطين الهندي والهادئ. وهنا تسعى الصين إلى تأمين هذه الممرات في إطار مساعيها لتنويع معالجة العناصر النادرة، بينما تحاول الولايات المتحدة بناء مسارات «توطين صديق» تستبعد الصين. والنتيجة منافسة مجزّأة لا يستطيع فيها أي طرف السيطرة على الممر بأكمله، لكن الجميع يعمل على منع خصومه من ذلك. و هذا هو منطق المنع الاستراتيجي — الذي يشكل اعد اهم المفاهيم الأساسية التي قمنا بتطويرها في لنظرية الانهيار المنظومي حيث يعد هذا المنع السلوك الأبرز في زمن التفكك المنظومي.
وعند النظر إلى هذه الديناميات مجتمعة، يتضح لنا سبب تحوّل القرن الأفريقي إلى مركز السياسة المعدنية في القرن الحادي والعشرين. فما يبدو متفرّقاً جغرافياً، هو في الأصل متصلٌ منظومياً. فليثيوم إثيوبيا مرتبط بكوبالت الكونغو عبر مسارات لوجستية تتقاطع في موانئ كينيا وجيبوتي. وذهب السودان يدور ضمن شبكات مالية خليجية تتصل بالأسواق العالمية. ومشروعات العناصر الأرضية النادرة في تنزانيا وإريتريا تعيد تشكيل خريطة التنافس الصناعي في أوروبا وآسيا. أما البحر الأحمر — المفصل البحري الهش — فيحدد مسار تدفّق هذه المنظومات عبر ممر ضيق قابل للتعطيل اللامتماثل.
وتنشأ هذه الجغرافيا المعدنية في لحظة لم تعد فيها القوى الكبرى تسعى لبناء أنظمة عالمية مستقرة، بل تعمل ضمن إطار «انهيار مُدار» قائم على تعطيل سلاسل الإمداد المتبادلة، وتفكيك مسارات الاستخراج، وإعادة تشكيل نقاط ضعف الخصوم. والقرن الأفريقي ليس متأثرًا بهذا التحول فحسب، بل هو أحد مسارحه الرئيسية. فهشاشة المؤسسات، وتفتت السيادة، والاعتماد البنيوي على البنى التحتية، تخلق بيئة تمكّن الفاعلين الخارجيين من صياغة النتائج قبل أن تتمكن السياسة المحلية من الرد. حيث لا تزال الوكالة قائمة، ولكنها باتت تُمارس عبر خيارات بنيوية عبر الامتيازات، والممرات، والموانئ، والتكامل المعدني–الرقمي — أكثر من الدبلوماسية التقليدية.
وستتعمّق الأهمية الاستراتيجية للقلب المعدني في القرن الأفريقي مع دخول النظام العالمي مرحلة «التخصيص» وهي المرحلة التي يُعاد فيها فرز الدول والأقاليم وفق أهميتها البنيوية. فالمناطق التي تمتلك معادن حرجة، ومضائق بحرية، وممرات لوجستية سترتفع أهميتها بغض النظر عن استقرارها السياسي. أما المناطق التي تفتقر إليها فستُدمج داخل استراتيجيات غيرها. ويقف القرن الأفريقي بصلابه في قلب هذا التحوّل.
إن مستقبل القوة العالمية سيتشكّل عبر المعادن، ومستقبل المعادن سيتشكّل عبر القرن الأفريقي. ومع تسارع الاعتماد على الكهرباء وتوسّع الأنظمة الخوارزمية، لابد وان تؤثر جيولوجيا الإقليم في مسار النظم السياسية والتكنولوجية بما يتجاوز أفريقيا بكثير.
فالعالم لا يتحرّك حول القرن الأفريقي — بل يُعاد تشكيله من خلاله


إرسال التعليق