مليح يعقوب : الحوازمة في كردفان:الضحيّة الجغرافيّة لحرب السودان - صوت الوحدة

مليح يعقوب : الحوازمة في كردفان:الضحيّة الجغرافيّة لحرب السودان

​إن المتفحص لمجريات الحرب الراهنة في السودان، يستنبط بوضوح أن العقلية الأمنية المسيطرة على قرار القوات المسلحة — بصبغتها “الأيديولوجية”— لم تعد تنظر إلى قبائل “الحوازمة” بوصفهم مواطنين كاملِي الحقوق، بل كطرفٍ أصيل في الصراع أو “بيئة حاضنة” مفترضة للخصوم. وبناءً عليه، أضحى الحوازمة “ضحية جغرافية” بامتياز في خارطة حرب كردفان؛ إذ أوقعهم وضعهم الاستراتيجي الحرج في قلب العمليات العسكرية وعلى خطوط النار، مما عرضهم لابتزاز عرقي ممنهج، حوّل مجالهم الحيوي وهويتهم الاجتماعية إلى ساحة معركة مفتوحة على كل الاحتمالات.
​ويمكن تلخيص تعقيدات هذا الاستهداف في المحاور الآتية:
​1. معضلة الجغرافيا السياسية (الفخ المكاني):
ينتشر الحوازمة من محلية “القوز” شمالاً، وعلى طول امتدادات الجبال الشرقية والغربية في إقليم جنوب كردفان، وصولاً إلى مراكز الثقل في شمال كردفان (الأبيض، الرهد، أم روابة). هذا الانتشار جعلهم “جسرًا رابطًا” إجبارياً بين القوى المتصارعة، مما حوّل مناطقهم إلى “منطقة عازلة” قسرية. فأي تحرك عسكري يمر بالضرورة عبر قراهم ومساراتهم الرعوية، يجعلهم عرضة للقصف الجوي والاتهامات الجاهزة بـ “الخيانة” من قِبل الجيش الاخواني الذي يتخذهم كباش فداء ويستهدفهم بالمسيرات والطيران بلا هوادة.
​2. صراع الحواكير وسياسة “الإحلال الديموغرافي”:
لا يمكن إغفال أن بعض القوى الحليفة للجيش لديها نزاعات تاريخية مع الحوازمة على الأرض والموارد. لقد وفر الصراع الحالي “غطاءً شرعياً” لتصفية حساباتها القديمة بتواطئها مع الجيش تحت لافتة “محاربة التمرد” . إن محور الأرض (الحواكير) هو الأخطر؛ حيث يتم توظيف الحرب لإحداث “تغيير ديموغرافي قسري”. والنزوح الذي نشهده اليوم ليس عارضاً، بل هو “نزوح هيكلي” يهدف لإفراغ الأرض من أصحابها التاريخيين لصالح مجموعات أخرى، ضمن سياسة “الأرض المحروقة” لتحويل الحوازمة من ملاك أصلاء إلى لاجئين في معسكرات الشتات.
​3. حرب الاستنزاف: ضرب العصب الاقتصادي:
يعتمد الحوازمة على الاقتصاد الرعوي المتحرك، وفي “عقيدة الحرب الاخوانية” ، يُفسر هذا التحرك أمنياً بشكل خاطئ. إذ يتم رصد حركة القطعان في “المراحيل” والمسارات التاريخية عبر الطيران المسيّر كتحركات مشبوهة، مما جعل الثروة الحيوانية هدفاً للتدمير. هذا الحصار يؤدي إلى “إعدام اقتصادي” يهدف لإجبار المكون الاجتماعي على المفاضلة بين “الولاء المطلق” أو النزوح.
​4. المواطنة المشروطة وصناعة “العدو المتخيَّل”:
ما يمر به الحوازمة هو تجسيد لمفهوم “المواطنة المرتبطة بالبندقية”؛ حيث يتم ابتزاز أبناء القبيلة لإثبات وطنيتهم عبر القتال القسري تحت مسمى “المقاومة الشعبية”، وفي حال الرفض، يتم وصم المكون كاملاً بـ “التمرد”. لقد عمدت الآلة الإعلامية إلى إعادة تعريف الحوازمة ضمن سردية “الحواضن الاجتماعية”، واختزال مئات الآلاف من البشر في “كتلة صماء” موالية للدعم السريع، مما يلغي فردية الإنسان ويجعله متهماً بمجرد الانتماء العرقي.
​5. سيادة عقيدة التفتيت وصمت “الاحزاب”:
في ظل غياب الدور الرقابي للقوى السياسية المدنية، تخضع مجتمعات الحوازمة لعمليات تصنيف نمطي كـ “خزان بشري” للتمرد. هذا التصنيف يمنح احزاب المركز مبرراً أخلاقياً للصمت تجاه الانتهاكات، حيث لا يُنظر للضحايا كمواطنين، بل كأرقام في معادلة صراع عسكري.
​6. اقتصاديات النهب الممنهج:
إضافة لما سبق، تتعرض ثروات الحوازمة لعمليات نهب وسلب ممنهجة تحت تهديد السلاح، حيث تقتات المليشيات المتعددة على مواشي المواطنين، فيما يمكن وصفه بـ “اقتصاديات الحرب” التي تشرعن السطو على ممتلكات المدنيين بذريعة المجهود الحربي.
​الخلاصة:
إن الحوازمة اليوم يواجهون “صراع وجود” لا مجرد “حرب نفوذ”؛ فهم يدفعون ثمن “جغرافيا خط النار” من دمائهم وثرواتهم. إن استمرار العبث بالأمن المجتمعي لضمان بقاء النفوذ السياسي سيمزق ما تبقى من النسيج الكردفاني. على القوات المسلحة أن تتحرر من تبعية الحركة الاسلامية التي تستخدمها كأداة لاقتلاع المواطن من أرضه، وعلى الجميع إدراك أن الظلم الممنهج لا ينتج استقراراً، بل يؤسس لثارات تاريخية لا تنتهي.

إرسال التعليق

لقد فاتك