مليح يعقوب : الحوازمة: المواطنة المنهوبة واستراتيجية “الأرض المحروقة” بواسطة المسيرات وطيران الجيش في كردفان
تمثل وتيرة التصعيد الجوي عبر الطيران الحربي والمسيرات ضد المدنيين في مناطق كردفان، وتحديداً استهداف مجتمعات “الحوازمة”، تحولاً نوعياً وخطيراً في مسار النزاع السوداني. إن هذا النهج يتجاوز العمليات العسكرية المباشرة إلى “استباحة منهجية” للمواطنة؛ حيث يتم استهداف الهويات الاجتماعية تحت ذريعة “الحواضن”، في مسعى من الجيش، لتفكيك النسيج المجتمعي وتحويل السكان إلى “أهداف مشروعة” خارج نطاق القانون.
مجزرة “السنوط-الفولة”: حين يسقط الأمان
لم تعد العمليات العسكرية محكومة بضرورات الاشتباك الميداني، بل انزلقت نحو سياسة “الأرض المحروقة” في مناطق مدنية تفتقر لأي مظاهر عسكرية. وتبرز واقعة الثلاثاء، 10 مارس 2026، كنموذج صارخ لهذه الاستباحة؛ إذ استهدفت مسيرة تابعة للجيش عربة نقل (دفار) كانت تقل 40 امرأة من قبيلة الحوازمة في طريقهن من “السنوط” إلى “الفولة” لأداء واجب اجتماعي. إن استهداف نساء عُزّل في سياق مدني محض ليس مجرد “خطأ” عسكري، بل هو جريمة حرب متكاملة الأركان تعكس إرادة صريحة لتحويل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالموت، وإجبار المكونات الاجتماعية على الانكفاء القسري تحت وطأة الترويع.
الانتهاكات الممنهجة: الهوية كـ “تهمة”
تؤكد التقارير الميدانية أن مجتمعات الحوازمة باتت هدفاً لهجمات لا تفرق بين المدني والمسلح، مما حوّل “الهوية العرقية” إلى ذريعة للإقصاء. وتتنوع هذه الانتهاكات بين القصف الجوي والاعتقال التعسفي، وتتركز في حواضر حيوية مثل الدلنج، وكادقلي، والأبيض وأم روابة والرهد وماحولها. إن هذه الممارسات تقوّض الوجود المادي والرمزي لقبائل الحوازمة، مما يضع مستقبلها على حافة الانهيار الوجودي.
اقتصاديات الحرب: تدمير العمود الفقري لكردفان: وثقت عناصر من الجيش السوداني نفسها من داخل مدينة الدلنج وهي تحتفل بنهب بوادي الحوازمة كوسيلة للتمويل الذاتي
لا يمكن عزل هذه الانتهاكات عن “اقتصاديات الحرب”؛ فمجتمعات الحوازمة تمثل العمود الفقري للاقتصاد الرعوي في كردفان. إن دورهم التاريخي في تأمين سلاسل التوريد يجعلهم الضامن الأساس للأمن الغذائي في الإقليم. لذا، فإن استهداف مراعيهم ونهب ماشيتهم هو عملية “اغتيال اقتصادي” ممنهج. وتحويل نهب الماشية إلى بند لـ “التمويل الذاتي” للقوات المهاجمة يعمق الإفقار الجماعي، ويدفع بالرعاة – الذين كانوا صمام أمان لاستقرار الأسواق – نحو التقاتل اضطراراً للدفاع عن بقائهم، مما يغتال القدرة الإنتاجية لكردفان لسنوات قادمة.
التحريض
يغذي الخطاب الإعلامي الراديكالي الذي يتبناه اعلام الجيش الاخواني هذه الانتهاكات عبر “شيطنة” المكونات الاجتماعية وتصويرها كعدو للدولة. إن هذا الحصار يفرض على المجتمع الدولي مسؤولية قانونية تتجاوز لغة الإدانة الخجولة؛ فتوثيق مقتل أكثر من 3384 مدنياً يتطلب تدخلاً عاجلاً لضمان حماية الممرات الإنسانية والرعوية.
مؤشرات ميدانية (2025 – 2026):
مجازر الجو: استهداف طريق “السنوط-الفولة” (مارس 2026)، وقرية “أم رسوم” (فبراير 2026).
العنف الإثني: توثيق انتهاكات ذات طابع عرقي قامت بها القوات المسلحة ضد الحوازمة في قريتي “علوبة” و”الحمادي” خلال عام 2025.
الخلاصة والتوصيات:
إن ما تتعرض له مجتمعات الحوازمة هو نمط عملياتي ممنهج يهدف لتدمير أسس البقاء. ولتدارك الانهيار، نوصي بـ:
تحقيق دولي مستقل: لتوثيق الانتهاكات وتحديد المسؤولية الجنائية.
فك الحصار الرعوي: لضمان حرية حركة المنتجين وحماية الأمن الغذائي.
تجريم خطاب الكراهية: ومحاسبة الجهات المحرضة على العنف العرقي.
إن السلام في كردفان لن يتحقق ما دامت آلة الحرب تستهدف الأرزاق وتستبيح الدماء. العدالة والاعتراف بالحقوق هما المخرج الوحيد لتجنب انزلاق البلاد نحو حرب أهلية شاملة.



إرسال التعليق