​مليح يعقوب : الثقافة والفنون.. قاطرة العبور نحو الراهن السوداني الجديد - صوت الوحدة

​مليح يعقوب : الثقافة والفنون.. قاطرة العبور نحو الراهن السوداني الجديد

​حين تصمت السياسة ويتوارى سدنتها خلف غبار الأزمات، وحين تعلو عثرات السلاح ويشتد دويّ النزاع، تبرز الثقافة بوصفها اللغة الوحيدة التي لا تهزم ولا تحتاج إلى تراجم. إنها الملاذ الأخير الذي يحمي الوجدان السوداني من شظايا التشرذم، وليست مجرد رصيد معرفي ساكن أو ترفاً كما يتوهم البعض، بل هي النبض الذي يصيغ كينونة الفرد، والضابط الذي يحكم إيقاع المجتمع. هي “السلاح السلمي” الذي يمتشقه المبدع لترميم جدران الثقة التي تصدعت تحت وطأة الانكسارات التاريخية، والانهيارات الوشيكة لهياكل الدولة المركزية.

​من التهميش إلى السيادة الوجدانية
لقد أحدثت حرب الخامس عشر من أبريل زلزالاً كسر القيود المفروضة على الإبداع من قِبل “دولة المركز”. في خضم هذا الركام، انتقلت الثقافة السودانية من وضعية التهميش إلى “السيادة الوجدانية”؛ حيث ولدت أنماط فنية جديدة لم تكن في الحسبان، نجحت في التعبير عن المسكوت عنه. وبينما استثمرت الدول الحديثة في “الصناعات الثقافية” كقوة ناعمة تعزز سيادتها، ظلت الثقافة في السودان تقبع في ذيل أولويات الأنظمة المتعاقبة. إن الميزانيات الهزيلة غيبت الدور الاستراتيجي للفن؛ فبدلاً من أن تكون الثقافة “قاطرة” تقود التنمية، جرى اختزالها قسراً في أطر الترفيه الرسمي أو الاستقطاب السياسي العابر.
​ومن المفارقات المؤلمة، أننا نرى المسؤولين يتصدرون المشهد في المحافل الثقافية، معتلين منصات الضوء وكأن ما يقدمونه من فُتات الميزانيات “منحة شخصية”، متجاهلين أن دعم الإبداع حق أصيل للمجتمع وواجب دستوري. هذا السلوك يعكس عقلية “الوصاية” التي أضعفت موقف المبدع. فعندما يرفع “سدنة المؤسسات” شعار “الثقافة تقود المجتمع”، فإنهم غالباً ما يظهرون خلاف ما يبطنون، محاولين تدجين الفن لخدمة السلطة لا لخدمة الهوية.

​جسور التواصل: الفن في مواجهة التفتيت
رغم هذا التغييب الممنهج، أثبت الإنسان السوداني قدرة فائقة على الممانعة؛ فنمى الفن وتطور بصورة عفوية بعيداً عن كنف السلطة. واستطاعت الثقافات التي وُصمت بـ “المهمشة” أن تفرض وجودها عبر تمازج حي، خالقةً قواسم مشتركة تتجلى في ألحاننا، وأزيائنا، وطقوسنا التي استعصت على المحو. لقد فشلت النخب السياسية في تبني رؤية وطنية جامعة، مما جعل محاولاتها للالتفاف حول قضايا الهامش مجرد شعارات عجلت برحيلها عن الوجدان الشعبي.
​اليوم، وفي ظل القتامة التي خلفها واقع الحرب الأليم، تبرز الفنون كـ “المعادل الموضوعي” الوحيد الذي يربط بين السودانيين بمختلف سحناتهم. لقد لعب الفن دوراً محورياً في لجم حدة الانقسام؛ فبينما فرقتنا الأيديولوجيا وشتتتنا الجغرافيا، وحدتنا “الأغنية”، وجمعنا الحنين المشترك إلى “المسيد” و”النقارة” و”عرضة” الصمود. إن المبدع السوداني اليوم هو ذلك الخيط الرفيع الذي يمنع انقطاع حبل الوصل الوطني، محولاً الأنين الجماعي إلى فعل مقاوم يرفض التفتيت.

​المشتركات الثقافية.. طوق النجاة الفطري
تتجلى عبقرية السودان في “مشتركاته الثقافية” العابرة للحدود المصطنعة؛ ففي إقليم كردفان نلمح تمازجاً فريداً بين مكونات المجتمع في ممارسات كـ “المصارعة”، وفي توظيف ذات الآلات الإيقاعية كـ “النقارة والربابة”. هذا التناغم يمثل نظاماً اجتماعياً فطرياً يسبق الدولة الحديثة في صياغة “العقد الاجتماعي”. إن تكرار هذه النماذج في دارفور، والنيل الأزرق، والشرق، والشمال، يؤكد أن المعضلة لم تكن يوماً في “التنوع”، بل في “عقليات الإقصاء” التي حاولت فرض قوالب أحادية عبر أدوات الدولة القمعية.

​نحو جبر ضرر ثقافي شامل:
إن عبور الأزمة الراهنة نحو مستقبل مستقر يتطلب “جبراً للضرر الثقافي”، يبدأ بحماية العموميات المشتركة وتنمية الخصوصيات المحلية. إن إنصاف موروث الأقاليم ووضعه على قدم المساواة مع ثقافة المركز هو المدخل الإجباري لتحقيق الوحدة الوجدانية؛ إذ لا يمكننا بناء وطن لا يرى فيه كل مواطن صورته وصوته في مرآته الثقافية الرسمية. إن الاعتراف بالتعدد ليس منحة، بل هو استحقاق وشرط لبقاء الدولة.

​خاتمة: الفن بوصلة الأمان
إن انحسار الموروثات السودانية بسبب نيران الحروب أو عواصف النزوح هو تهديد مباشر للوجود الوطني. لذا، فإن الثقافة اليوم ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة أمنية ووجودية. إن الفن هو المرمم الوحيد لما حطمته معارك السياسة وهو “قاطرة العبور” التي ستقود هذا الشعب بحنكة من ضيق الصراع إلى رحابة الهوية الجامعة. ستظل الثقافة هي الحصن الذي لا يسقط، والوطن الذي يسكننا حين تضيق بنا المنافي.

إرسال التعليق

لقد فاتك