مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية: الامتحان المكشوف (2) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية: الامتحان المكشوف (2)

الفيدرالية ليست تقسيماً.. إنها “معادلة قوة”

كيف نمنع تحول الأقاليم إلى إقطاعيات نهب؟

مشهد أول: فخ الهروب من المركز وحرارة القاعات المغلقة

في إحدى قاعات التفاوض الفخمة، بعيداً عن غبار المعارك وأنّات النازحين، كان ممثل الإقليم يتحدث بثقة مفرطة عن “حق الأقاليم” الأصيل في السلطة والثروة. كانت على الطاولة أمامه أوراق كثيرة، وفي عينيه تعب سنوات من الحرب المتطاولة ومئات الوعود المؤجلة. لكن، في اللحظة التي طُرحت فيها كلمة “فيدرالية” بصيغتها القانونية والإجرائية الواضحة (صلاحيات حصرية، موارد محلية، شرطة إقليمية، برلمانات ولائية، ومحاكم مستقلة)، تبدلت حرارة القاعة بشكل درامي.

تحرك أحدهم في مقعده بتململ وقال سريعاً: “الفيدرالية بالشكل ده معناها تقسيم للسودان”.

وقاطعه آخر بنبرة تحذيرية: “دي بوابة خلفية للانفصال وتمزيق النسيج الاجتماعي”.

وابتسم ثالث ابتسامة عارف وقال ببرود: “خلّونا من الكلام الكبير والنظريات المستوردة… نحن في النهاية دايرين حكومة مركزية واحدة قوية تلم الأطراف”.

في تلك الثواني القليلة، وتحت أضواء الثريات، انكشف المستور الذي تخفيه النخب السودانية منذ الاستقلال: كثيرون يحبون “الهامش” كخطاب سياسي رومانسي يُستخدم للمزايدة، لكنهم يخافون من “الهامش” كسلطة مؤسسية حقيقية. يحبون عدالة تُقال في الخطب والمنابر، لا عدالة تُدار وتُحقق على الأرض عبر أرقام وميزانيات. يحبون وحدة تُرفع كشعار عاطفي، لا وحدة تُبنى كعقد اجتماعي ملزم يخضع للمحاسبة.

لطالما نظرنا إلى الخرطوم كـ “ثقب أسود” سياسي واقتصادي، يبتلع موارد الأطراف، ويمتص دماءها، ويُجيّر عرق أبنائها ليموّل بقاءه وهيمنته. ولطالما كانت “الفيدرالية” أو “الحكم اللامركزي” هي التعويذة السحرية واليوتوبيا التي يهتف بها المهمشون للنجاة من جاذبية هذا الثقب. لكن، دعونا نطرح السؤال القاسي: ماذا لو كان الهروب من عباءة المركز، دون استعداد مؤسسي ورقابي صارم، هو مجرد قفزة انتحارية في الفراغ؟ ماذا لو أننا، بدلاً من تفكيك ديكتاتورية العاصمة، نقوم ببساطة بتوزيعها جغرافياً لنخلق ديكتاتوريات مناطقية مصغرة، تعيد إنتاج القمع بلهجات محلية؟

في المقال السابق، شخّصنا كيف يبتلع المركز ثواره ويحولهم إلى تروس طيّعة في ماكينة “النهب المصلّح”. هذا المقال يضعنا أمام الامتحان الثاني والأكثر تعقيداً: كيف نترجم الفيدرالية من شعار سياسي رنان يُرفع في منصات التفاوض، إلى هيكل دولة حقيقي يحمي المواطن ويحصّنه من طغيان المركز وجشع أبناء الإقليم على حد سواء؟

أولاً: وهم التقسيم الجغرافي.. الفيدرالية كـ “ترضية سياسية” وريعية

الخطيئة الكبرى في تاريخ السودان السياسي الحديث منذ اتفاقية أديس أبابا 1972، مروراً بنيفاشا 2005، وصولاً إلى جوبا 2020 هي التعامل مع الفيدرالية كـ “أداة للترضية السياسية” (Political Appeasement) ومسكنات مؤقتة، وليس كفلسفة حكم متكاملة لتأسيس الدولة.

في كل مرة يتم فيها توقيع اتفاقيات السلام، لا يتم نقل السلطة فعلياً إلى “المواطن” في الإقليم ليقرر مصيره التنموي، بل يتم تفويضها تسليم مفتاح إلى “أمير الحرب” أو “القائد السياسي” القادم من ذلك الإقليم، كنوع من شراء الصمت. هذا الفهم المشوه يحول الفيدرالية من أداة حيوية للتنمية المجتمعية، إلى مجرد آلية نفعية لتقسيم الغنائم والمناصب السيادية.

يصبح الإقليم بمثابة “إقطاعية” جغرافية أو “كيكة” تُمنح للقائد مكافأةً على توقيعه وثيقة السلام، وتُترك له حرية التصرف المطلقة في مواردها الدفينة ومواطنيها المنهكين، بعيداً تماماً عن أعين الرقابة المركزية المنشغلة بحماية بقائها في العاصمة. في هذه التراجيديا، لا تتغير حياة النازح في معسكرات اللجوء، ولا المزارع في حقله الجاف، ولا الراعي في باديته المفتقرة للأمن؛ كل ما يتغير هو اسم ولقب وقبيلة الشخص الذي يسرق موارده، وربما، من سخرية القدر، يصبح هذا اللص الجديد من أبناء جلدته ومن نفس قريته.

الفيدرالية كعلاج لتاريخ “دولة 56” الدموي

أكبر أكذوبة سياسية روجت لها النخب في تاريخ السودان الحديث هي أن مشكلتنا تكمن في “سوء الإدارة” أو غياب الكفاءات فقط. إن جوهر الأزمة هو إعادة إنتاج بنية مركزية استعلائية احتكرت تعريف الهوية الوطنية، وتوزيع الثروة، وحدود العنف المشروع. لهذا، فإن الفيدرالية ليست مجرد بند إداري في ورقة عمل؛ بل هي خطوة جراحية مباشرة لتفكيك “دولة 56” دون الانزلاق إلى إسقاط الدولة الوطنية نفسها في أتون الفوضى الشاملة.

الفيدرالية هنا لا يجب أن تُصمَّم كترضية للنخب المسلحة، بل كمنظومة دفاعية تمنع عودة “الكليبتوقراطية” (حكم اللصوص) عبر منافذ جغرافية جديدة. هذا يعني إرساء أسس صارمة: شفافية مالية محلية لا تقبل المساومة، مساءلة قانونية، حدود زمنية صارمة للبقاء في السلطة الإقليمية، إتاحة المعلومات للعامة، وتوعية المواطن بحقوقه كعمل من صميم واجبات السلطة. الفيدرالية الحقيقية ليست أن تنقل المشاكل والأزمات الإدارية لترميها في حضن الأطراف؛ بل أن تنقل القرار، والمال، والمحاسبة معاً في حزمة واحدة لا تتجزأ. نقل المال والقرار دون نقل المحاسبة هو مجرد خدعة إدارية لشرعنه الفساد اللامركزي.

ثانياً: “الكليبتوقراطية بالوكالة” وخطر الاستنساخ المناطقي

لماذا تُفزع كلمة “الفيدرالية” النخب السودانية بهذا القدر المرعب؟ ولماذا يتخندقون ضدها؟ الإجابة بسيطة: لأنها تُسقط امتياز “التحكم” التاريخي.

في السودان، الخوف من الفيدرالية ليس خوفاً وطنياً على الوحدة الترابية كما يُشاع؛ بل هو خوف طبقي وسياسي على معادلة القوة التي جعلت نخب المركز تاريخياً مُلاّكاً وحيدين للمفاتيح الأربعة: (المال، التعيين، الأمن، الإعلام). الفيدرالية تعني ببساطة أن هذه المفاتيح لن تبقى مكدسة في جيب واحد. ولهذا تُتهم الفيدرالية دائماً، وبشكل ممنهج، بأنها “مشروع تفتيت وقبلية”، بينما الحقيقة الساطعة أنها مشروع لمنع التفتيت عبر معالجة السبب الجذري الذي يدفع الأقاليم للغضب وحمل السلاح: الإقصاء الممنهج، والنهب المستدام، والقرار البعيد المتعالي.

لكن، هنا يكمن الفخ الأخطر. عندما يتم نقل السلطات الإدارية والمالية إلى الأقاليم دون بناء مؤسسات رقابية ديمقراطية حقيقية موازية، فإننا نؤسس لما أسميه بـ “الكليبتوقراطية بالوكالة” (Franchise Kleptocracy). تماماً كما تمنح الشركات الكبرى حقوق الامتياز (الفرانشايز) لوكلائها في مناطق أخرى، يقوم المركز بمنح “حقوق امتياز القمع والنهب” لوكلائه الإقليميين الجدد.

في هذه الحالة الكارثية، يقوم قادة الأقاليم (الثوار سابقاً) باستنساخ أسوأ ما في جينات “دولة 56”. يبنون أجهزة أمنية وقمعية خاصة بهم، يشكلون حاشية منتفعة ومطبلة، ويستخدمون ميزانية الإقليم وعائدات موارده الطبيعية لشراء الولاءات القبلية وتأسيس شبكات زبائنية. إن غياب المركزية في هذا المشهد العبثي لا يعني ولادة الديمقراطية والتنمية، بل يعني ببساطة “دمقرطة الفساد”؛ فبدلاً من لِص واحد كبير يجلس في الخرطوم ويسرق الجميع، يصبح لدينا لصوص صغار في كل ولاية، يمارسون القمع والاستغلال بغطاء شرعي وقانوني وبحجة حماية “مكتسبات الإقليم”. وهنا يتحول القائد الإقليمي إلى درع بشري يحمي المركز من غضب الهامش، مقابل إطلاق يده في الهامش نفسه.

ثالثاً: من الشعار إلى الهيكل.. كيف تُترجم الفيدرالية عملياً؟

لكيلا نقع في فخ “الإقطاعيات الجديدة” ونعيد إنتاج المأساة، يجب أن ننتقل فوراً من مرحلة الشعارات العاطفية إلى مرحلة الهندسة الدستورية والمؤسسية الدقيقة. الفيدرالية الحقيقية هي “معادلة قوة” ذات اتجاهين متوازيين: قوة الإقليم في مواجهة تغول وفساد المركز، وقوة المواطن في مواجهة تغول وفساد حكومة الإقليم.

لتحقيق هذه المعادلة الدقيقة، يجب على “تحالف التأسيس” تبني قواعد هيكلية ومفاتيح لا تقبل المساومة أو المناورة:

1/ الشرعية الانتخابية والسلطات الحصرية (لا تفويض للمنح):

لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتم “تعيين” حكام الأقاليم بقرارات فوقية من الخرطوم بحجة الفترات الانتقالية. حاكم الإقليم يجب أن يستمد شرعيته الحصرية من صناديق الاقتراع المحلية. الانتخاب المباشر هو الحبل السري الوحيد الذي يجعل المسؤول ينظر إلى أسفل (نحو مواطنيه) لمحاسبته، وليس إلى أعلى (نحو القصر الرئاسي في العاصمة) لضمان بقائه. كما يجب أن تكون سلطاته (في مجالات التعليم، الصحة، البنية التحتية المحلية، الأراضي، والزراعة) سلطات أصلية دستورية وغير قابلة للتأويل، وليست مجرد “تفويض إداري” يُسحب بمكالمة هاتفية من وزير اتحادي غاضب.

2/ اللامركزية الرقابية والنظام المالي العادل (برلمانات الإقليم):

لا توجد فيدرالية حقيقية بلا موارد مالية مستقلة. ولكن، لا معنى لتخصيص نسبة مئوية ضخمة من الثروة (عائدات الذهب، البترول، أو الزراعة) لإقليم معين، دون وجود “برلمان إقليمي منتخب” يمتلك صلاحيات تشريعية ورقابية كاملة لمراقبة أوجه صرف هذا المال دولاراً بدولار، ويمتلك الصلاحية الدستورية لعزل حاكم الإقليم إن ثبت فساده أو فشله. نقل الأموال من بنك السودان المركزي إلى خزائن الأقاليم دون نقل آليات المحاسبة المدنية هو وصفة جاهزة لانهيار الإقليم وتحويله إلى ساحة حرب أهلية على الموارد.

3/ احتكار الدولة للعنف (الفيدرالية لا تعني الميليشيات):

يجب الفصل التام والحاسم بين “اللامركزية الإدارية والسياسية” وبين “اللامركزية العسكرية”. الفيدرالية لا تعني بأي شكل من الأشكال أن يحتفظ حاكم الإقليم بجيشه الخاص أو ميليشياته القبلية كأداة للضغط السياسي والتخويف. يجب تأسيس جيش وطني مهني واحد، وقوات إنفاذ قانون نظامية تخضع لعقيدة وطنية صارمة، تمنع قيادات الأقاليم من استخدامها لتصفية الحسابات المحلية المعارضة أو حماية شبكات الفساد الإقليمي. احتكار العنف المشروع يجب أن يظل بيد مؤسسات الدولة الدستورية، لا بيد أشخاص.

4/ تفعيل حائط الصد المنسي (المجتمع المدني المحلي):

لا يمكن للفيدرالية أن تنجح دون وجود صحافة إقليمية حرة، ونقابات عمالية ومهنية محلية، ولجان مقاومة مجتمعية نشطة لا تتبع للسلطة الولائية. هذه الكيانات هي “جند الحراسة” التي تضمن ألا يتحول حاكم الإقليم المنتخب إلى دكتاتور محلي. غياب المجتمع المدني القوي في الهامش يجعل المواطن أعزل تماماً أمام آلة السلطة الإقليمية الجديدة.

الفيدرالية كعقد اجتماعي جديد

الفيدرالية الناجحة، في خلاصتها الفلسفية، ليست طلاقاً جغرافياً بائساً بين المركز والأطراف، بل هي “زواج صحي” وناضج مبني على الاحترام المتبادل، والندية، وتقاسم الحقوق والواجبات بعدالة. إن تحالف التأسيس وكل القوى الحية تقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل أنصاف الحلول؛ فإما أن تصيغ هيكلاً فيدرالياً صلباً يعيد السلطة والثروة والكرامة إلى يد المواطن القابع في الهامش ليحكم نفسه بنفسه وينتزع مستقبله، أو أن تكتفي بتوقيع أوراق جديدة، تُسلم رقاب المهمشين لجلادين جدد، يتحدثون بلهجتهم المحلية، ويرتدون أزياءهم التقليدية، لكنهم يمارسون عليهم ذات القمع القديم.

ختاماً: توصية التأسيس وصوت النازحين

في أحاديث الناس العفوية في أسواق القرى النائية وخيام معسكرات النزوح، تتكرر جملة بسيطة في مفرداتها، لكنها عميقة في دلالاتها السياسية:

“نحن ما دايرين الخرطوم تشيل همّنا… نحن دايرين الخرطوم تخلينا نشيل همّنا برانا”

خلف هذه العبارة الشعبية العبقرية يكمن مطلب سياسي متكامل. أن تكون للناس سلطة حقيقية ومباشرة على تفاصيل حياتهم اليومية، أمنهم، غذائهم، ومستقبل أبنائهم، لا أن يظلوا في حالة انتظار أبدية لـ “منقذ” أو مُخلص، سواء من المركز أو من الهامش.

الفيدرالية في جوهرها الأخلاقي والسياسي ليست خريطة صماء لتوزيع دوائر السلطة، ولا هي تفويض قانوني لبناء كليبتوقراطية إقليمية موازية؛ بل هي ببساطة: حق المواطن الإنساني غير القابل للتصرف في حكم نفسه، وحقه في هندسة حياة كريمة تليق بصبره الطويل.

الامتحان مكشوف أمام الجميع، والتاريخ لن يرحم من يُعيد إنتاج الفشل.

ولن يغفر التاريخ لمن يستبدل أصنام المركز بأصنام الهامش.

إرسال التعليق

لقد فاتك