​مليح يعقوب : فخ الهوية: القبيلة من حضن اجتماعي إلى سلاح سياسي - صوت الوحدة

​مليح يعقوب : فخ الهوية: القبيلة من حضن اجتماعي إلى سلاح سياسي

​يلعب الانتماء القبلي والجهوي دوراً محورياً في تشكيل السلوك السياسي للأفراد والمؤسسات في السودان؛ بدءاً من الأحزاب والشركات، وصولاً إلى الجيوش والحركات المسلحة. ولتفكيك هذه الإشكالية التي تكبل نهضة الدولة، لا بد من تفريق حاسم بين “القبيلة” بوصفها وعاءً اجتماعياً طبيعياً، وبين “القبلية” بوصفها أيديولوجيا إقصائية مدمرة

​القبيلة: التنوع كمصدر للحيوية والنشاط:

نحن نقول “نعم للقبيلة” باعتبارها مكوناً فطرياً أقره الوجدان البشري والشرائع السماوية، ولما لها من دور تاريخي في صون التماسك المجتمعي وضبط السلوك الفردي. القبيلة في جوهرها منظومة ثقافية تحمي التراث والهوية، وهي الملاذ الأول للأفراد في أوقات الأزمات والغياب القسري لمؤسسات الدولة. إن التنوع القبلي في السودان، بما يذخر به من ثروات بشرية وفلكلور وموسيقى، كان يجب أن يكون “محمدة” ومصدر قوة للدولة، لولا فشل النخب السياسية في إدارته وتحويله من مصدر حيوية إلى مدخل للشتات والتمزق.

​القبلية: الداء والتبعات:

في المقابل، نقول “لا للقبلية”؛ فهي الوجه القبيح للتعصب، وانحياز الفرد للمجموعة على حساب معايير الكفاءة والعدالة. إن “القبلية السياسية” المتفشية في السودان فرضت ولاءات ضيقة أعاقت بناء المصلحة الوطنية الشاملة. فبسبب إخفاق الدولة في توفير الأمان والعدالة، ارتد المواطن السوداني من رحاب “المواطنة” الواسعة لينتكس تحت المظلة الإثنية بحثاً عن الحماية.

​جذور الأزمة: ميراث “فرق تسد”:

يعود انتشار القبلية السياسية بشكل أساسي إلى عجز الدولة عن إيجاد نظام سياسي يتسق مع طبيعة التركيبة السكانية المعقدة. لقد اعتمدت الأنظمة المتعاقبة سياسة “فرق تسد”، فانحازت لمجتمعات على حساب أخرى، بل وسعت لتدمير حواضن اجتماعية معينة بدعوى أنها “بيئات للتمرد”، مما دفع المواطنين لحمل السلاح اضطراراً للدفاع عن الوجود والأرض.
وفي ظل الحرب الراهنة، تعمق هذا الانقسام؛ حيث باتت قطاعات واسعة ترى في التشكيلات العسكرية (سواء الجيش أو الدعم السريع) ملاذاً للحماية بناءً على اصطفاف جهوي وقبلي، وهو ما يعد الدليل الأكبر على انهيار “دولة المركز” وضرورة إعادة بنائها على أسس وطنية عادلة.

​الاستثمار السياسي في القبيلة:

يبرز استغلال القبيلة جلياً في المواسم السياسية، حيث تشتري الأحزاب ولاءات زعماء العشائر، مما يجعل “الولاء للقبيلة” يتقدم على “الولاء للوطن”. إن المخرج من هذا النفق يكمن في إحداث توازن دقيق: الحفاظ على الهوية الثقافية للقبيلة، مع تعزيز المشاركة السياسية للفرد بصفته “مواطناً مستقل الرأي”، وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تمنع ذوبان الهويات وتحفظ وحدة الهدف الوطني.

​الهامش وأدوات المركز:

أنتج الطابع الجهوي صراعات أفقية ورأسية؛ فعلى مستوى الدولة يرى الجميع أنفسهم “هامشاً”، وحتى داخل الإقليم الواحد يرى المكون الإثني نفسه مهمشاً من قبل “إخوته”. ومن الأخطاء الاستراتيجية لبعض حركات الكفاح المسلح أنها واجهت المركز بنفس أدواته (الاستعلاء الجهوي والترميز التضليلي)، وهي سنة أورثت انعدام الثقة، وسهلت للمركز إنتاج “مراكز صغيرة” داخل الهامش لضرب المكونات ببعضها البعض.
​لا يمكن هزيمة عقلية “دولة المركز” إلا بتوحيد شعوب الهامش والتحرر من أمراض الاستعلاء، والإقرار بأن العنصرية سلوك متفشٍ يتطلب علاجاً يبدأ بالتوعية الصادقة وينتهي بقوانين صارمة تساوي بين الجميع.

​خاتمة: ما وراء “دولة 1956”:

إن حصر أزمة السودان في مصطلح “دولة 1956” هو اختزال مخل؛ فجذور الاستعلاء والمركزية نشأت في بنى سياسية واجتماعية سبقت الاستقلال وساهمت في تشكيل ملامح الدولة الحالية. الحل يبدأ بمواجهة هذا التاريخ بجرأة وصدق، وبناء مؤسسات وطنية تتجاوز الانتماءات الضيقة نحو “سودان يسع الجميع”، حيث تكون القبيلة فيه جسراً للتعارف لا جداراً للانقسام.

إرسال التعليق

لقد فاتك