بولس كون : الكرمك: السؤال الذي يفضح السودان القديم
في منطقة النيل الأزرق، تقف الكرمك ليست مجرد مدينة حدودية
بل تحولت إلى سؤال جوهري يختبر حقيقة الدولة السودانية فالحرب الدائرة حولها ليست مجرد صراع عسكري عابر بل هي تعبير عن أزمة بنيوية عميقة أزمة دولة تأسست على مركزية اقصائية ولم تكتمل فيها فكرة المواطنة المتساوية.
الكرمك الهامش الذي يرفض أن يكون مجرد رقم
في المنطق السائد لسنوات طويلة تحولت المدن الحدودية والمناطق الطرفية في السودان إلى مجرد قضايا أمنية أو مصادر موارد أو ممرات إستراتيجية دون أن تحظى باعتراف كامل كأجزاء متساوية الحقوق في الوطن. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تتحول مدن مثل الكرمك إلى ساحات صراع دائمة لأن سكانها يرفضون الاستمرار في دور الهامش الصامت.
الموقع الإستراتيجي وقيمة الأرض
تكتسب الكرمك أهميتها من موقعها الحدودي الحيوي، مما يجعل السيطرة عليها مفتاحًا للتحكم في حركة الأفراد والبضائع، بل وفي التوازنات الإقليمية الأوسع. لهذا تتصاعد المعارك فيها؛ فمن يسيطر على هذه البوابة يملك أدوات تأثير كبيرة، سواء كان ذلك قوات النظام أو قوى التغيير ( الحركة الشعبية لتحرير السودان)
معركة أكبر من السلاح
لكن الصراع في الكرمك لا يمكن اختزاله في البعد العسكري. إنه صراع بين رؤيتين لمستقبل السودان
رؤية الدولة المركزية القديمة التي تحكم من العاصمة، وتتعامل مع الأطراف كمزارع خلفية يجب احتواؤها.
رؤية جديدة تنادي بسودان يعترف بتنوعه، ويوزع السلطة والثروة بعدل، ويبني شرعيته على المساواة وليس على القوة.
الكرمك كمرآة:
ما يحدث في هذه المدينة يعكس حقيقة مؤلمة: أن السودان لم يصل بعد إلى صيغة عادلة للتعايش بين جميع مكوناته. فالحروب في الأطراف ليست أسبابًا للأزمة، بل هي أعراض لخلل أصيل في عقد الدولة نفسه.
السؤال الذي ينتظر الإجابة:
أمام السودانيين اليوم خيار مصيري: إما الاستمرار في نموذج الدولة التي تحرس حدودها بالسلاح بينما تهمش سكانها، أو الشروع في بناء عقد جديد يقوم على الاعتراف المتبادل، والتوزيع العادل للفرص، واحترام كرامة كل مواطن بغض النظر عن موقعه الجغرافي
الكرمك بكل ما تعانيه تذكرنا بأن السلام الحقيقي لا يُفرض من فوق بل يُبنى من أسفل عبر عدالة تلمس حياة الناس وهي تدعو الجميع إلى التفكير: أي سودان نريد لأجيالنا القادمة؟



إرسال التعليق