بشرى عبد الرحمن : الترميز: لغة اتهام الهوية السودانية في وعي الشعوب - صوت الوحدة

بشرى عبد الرحمن : الترميز: لغة اتهام الهوية السودانية في وعي الشعوب

يمضي قلمي نحو كتابة هذا العنوان وأنا أتنهد بسخرية مما تخطه يدي من تعليقٍ أو مقالٍ حول فهمنا لمرآتنا السودانية. أستذكر هنا ما قاله «حميدتي»، مقتبساً مثلاً قديماً متوارثاً في ثقافة النضال الشعبي:

(نحن عايزين كل زول يشوف نفسو في مراية السودان).

ويبدو أن قدر هذا الوطن، المعجون باختلاف وتعدد ثقافاته بشكلٍ ماجن ومتطرف، هو ذاته «العِلّة» التي لم نحسن إدارتها بعد.

وفي لعنة هذا الاختلاف وسوء إدارته، يبرز الترميز التضليلي تحت مسوغات إقصائية من قبيل: «هذه ليست بلدك، أنت وافد». والأدهى أن هذا الوصف نال حظاً وافراً من المزايدة المجتمعية على مرآة تشكُّل الدولة السودانية، بل تحوّل إلى رافعة لتحشيد شعوب ضد أخرى باسم الدولة.

وإذا تحدثنا عن البني عامر كمثال، فقد نالوا نصيبهم من الوصم بأنهم «إريتريون»، لمجرد أنهم لم يرتضوا بالعقد الاجتماعي المشوَّه الذي تشكّلت عليه الدولة. ففي مثل هذه الحالات، تحرّك الدولة أدواتها لحشد الجميع ضد فصيل عرقي أو مكوّن اجتماعي بعينه، لممارسة إقصاءٍ عقابي لفظي وجسدي، يصل أحياناً إلى التصفية عبر الحروب.

وقِس على ذلك اتهامات من قبيل: «التشادي، اليوغندي، النيجري، وعرب الشتات»، حيث يُستدعى الاختلاف المجتمعي كذريعة لازدراء الآخر ونزع شرعيته. وكما يقول المثل السوداني: (المحن ضفات).

كل هذه الحملات المشبعة بخطاب الكراهية يتم تغذيتها عبر أدوات الدولة، أو عبر من يسيطرون عليها. ففكرة التحشيد بالكراهية تُعاد تدويرها في كل مرة ضد مجتمع أو مكوّن سوداني جديد، وتظل الوصمة المشتركة دائماً هي: «عدم السودانية»، وذلك بغرض تجريد الفرد أو الجماعة من الاستحقاق القانوني، أو حتى من التعاطف المجتمعي.

وعلى الرغم من أن المجتمع نفسه يُعد أحد صانعي هذا الخطاب عبر التاريخ – منذ حرب الجنوب إن شئنا التذكير – إلا أن هذه الرؤية الكامنة في ديناميكيات الوعي الجمعي تزداد تطرفاً، وتُستغل بصورة أكثر حدّة ضد الآخر.

إن قدر هذا الوطن يكمن في تنوّعه، غير أن المحك الحقيقي يظل في كيفية تحويل هذه المرآة من أداة للنفي والإقصاء، إلى مساحة للاحتواء والاعتراف المتبادل.

إرسال التعليق

لقد فاتك