سارة السعيد : ما الذي تخشاه مصر من السودان الجديد؟ - صوت الوحدة

سارة السعيد : ما الذي تخشاه مصر من السودان الجديد؟

لم يعد الدور المصري في الحرب السودانية قابلاً للتفسير بوصفه انحيازاً ظرفياً أو خطأً دبلوماسياً في سياق إقليمي مضطرب. فالمعطيات المتراكمة تشير إلى أن الموقف المصري يعكس نمط بنيوي أعمق، يرتبط بكيفية إدراك القاهرة لمكانة السودان ضمن تصورها للأمن القومي، وحدود النفوذ، وإدارة المجال الجنوبي للدولة المصرية. ورغم شيوع تفسيرات تُرجع هذا الدور إلى اعتبارات الاستقرار أو الخوف من الفوضى، إلا أن سياق الأمر الواقع يوحي بأن جوهر القلق المصري لا ينبع من غياب الدولة في السودان، بل من احتمال قيام دولة سودانية جديدة قادرة على إعادة تعريف سيادتها وعلاقاتها الإقليمية خارج الأطر التقليدية.

تاريخيا ، لم تُبنَ العلاقة المصرية–السودانية على قاعدة الندية بين دولتين مكتملتي السيادة، بل على تصور وظيفي تعامل مع السودان باعتباره عمقًا أمنيًا وجغرافياً قابلاً للإدارة. فقد جرى النظر إلى السودان، منذ الاستقلال، بوصفه مجال نفوذ وحد جنوبي ينبغي ضبطه، لا شريكاً سياسياً مستقلاً بذاته في صياغة المصالح. وفي هذا الإطار، تمحور النفوذ المصري بصورة أساسية حول المؤسسة العسكرية السودانية، باعتبارها الفاعل الأكثر قابلية للتنسيق، والأقل خضوعاً للمساءلة المجتمعية، ما جعل دعم الجيش خياراً مرتبطاً باستمرارية نموذج “الدولة المُدارة”، لا بمسار بناء الدولة.

غير أن التحول الجوهري الذي فرضته الحرب لا يتمثل فقط في اندلاع الصراع، بل في انهيار نموذج الإدارة غير المباشرة ذاته. فالسودان لم يعد دولة مركزية ضعيفة يمكن احتواؤها عبر نخبة واحدة أو قيادة عسكرية موحدة، بل تحوّل إلى ساحة تتعدد فيها الفواعل، وتتآكل فيها السلطة التقليدية، وتُطرح فيها أسئلة وجودية تتعلق بالسيادة والشرعية وإعادة بناء الدولة بوصفها قضايا مفتوحة. ويشكّل هذا التحول مصدر القلق المصري الأساسي، إذ إن السودان الجديد لا يهدد الأمن المصري المباشر، بقدر ما يهدد المنطق الذي حكم إدارة القاهرة لمحيطها الإقليمي لعقود.

ينبع هذا القلق من عدة مستويات متداخلة. أولها أن قيام دولة سودانية مكتملة الإرادة يعني إنهاء نموذج التبعية إلى الأبد، واستبدال علاقة غير متكافئة بعلاقة سياسية ندّية مفتوحة على إعادة تفاوض شاملة. وثانيها أن السودان السيادي سيعيد مقاربة ملف النيل باعتباره قضية تنموية ومصلحة وطنية، لا التزاماً تاريخياً مفروضاً، وهو ما يحدّ من القدرة المصرية على احتكار تعريف هذا الملف. أما المستوى الثالث، فيتصل بالبعد الرمزي، حيث إن أي مسار سوداني ناجح نحو بناء دولة مدنية أو تعددية، حتى وإن كان جزئياً، سيحوّل السودان من ساحة نفوذ إلى حالة مرجعية، ويخلق مقارنة غير مريحة للنظام المصري القائم.

ويمتد هذا القلق كذلك إلى المجال البحري في البحر الأحمر، حيث قد يعيد السودان الجديد توزيع شراكاته اللوجستية والأمنية، بما يقلّص قدرة مصر على ممارسة نفوذ غير مباشر على الممرات الجنوبية. كما يعني قيام دولة سودانية مستقلة مراجعة شبكات النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي التي بنتها القاهرة داخل السودان على مدى عقود، وهو ما يمثل خسارة استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز الحسابات التكتيكية. ويضاف إلى ذلك أن السودان الجديد يعيد تعريف “الدولة” بوصفها علاقة سيادة بين المجتمع والمؤسسات، لا مجرد امتداد للسلطة العسكرية، وهو تعريف يتعارض مع النموذج المصري السائد لإدارة المجال السياسي.

في هذا السياق، يصبح توصيف مصر كوسيط موضع تساؤل جهوري لا سياسي. فالوساطة، في معناها الوظيفي، تفترض حداً أدنى من الحياد، أو على الأقل القابلية لتعديل المواقف بما يخدم عملية التسوية. غير أن الممارسات العملية تشير إلى انتقال القاهرة من موقع الوسيط المنحاز إلى موقع الطرف الوظيفي في الصراع، عبر دعم سياسي ودبلوماسي لطرف محدد، وخطاب ينزع الشرعية عن خصومه، وإجراءات أمنية تجاه اللاجئين السودانيين تتجاوز الأطر المتعارف عليها في أدوار الوساطة. وعليه، فإن الاعتراض على هذا الدور لا يُعد تصعيد سياسي، بقدر ما يعكس رفض لمسار يُعاد فيه إنتاج الصراع بدل تفكيكه.

يأتي موقف تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) في هذا الإطار كخطوة لكسر صمت طويل، وإعادة توصيف الدور المصري كما هو، لا كما يُقدَّم. وقد نجح هذا الموقف في نقل النقاش من القنوات غير المعلنة إلى المجال العام، وفي الفصل الواضح بين النظام المصري والمجتمع المصري. غير أن هذا التحرك، على أهميته، يظل بحاجة إلى استكمال عبر مسارات دبلوماسية وقانونية وإقليمية تضمن تحويل الموقف السياسي إلى مسار مؤثر في بيئة إقليمية معقدة.

في المحصلة، لا يشكّل السودان الجديد تهديداً لمصر لأنه غير مستقر، بل لأنه يسعى إلى أن يكون دولة طبيعية تُدار بإرادتها لا بوظيفتها. وكلما اقترب السودان من بناء دولة سيادية، تراجع هامش الحياد المصري، وكلما طال التفكك، ازداد شعور القاهرة بالاطمئنان. ومن هذا المنظور، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت مصر ستقبل بالسودان الجديد، بل يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة الإقليم بأسره على التكيّف مع نشوء دول تخرج من منطق الإدارة إلى منطق السيادة.

إرسال التعليق

لقد فاتك