آدم الحاج : هل تعمل حكومة بورتسودان من أجل الدعاية السياسية للعودة القسرية المنسّقة مع الحكومة المصرية لمزيد من معاناة السودانيين؟
وأي رؤية أمنية وخدمية تحققت في ظل غياب اتفاق أطراف الصراع؟
مقدمة
في ظل الحرب المستمرة وانهيار مؤسسات الدولة، يطفو إلى السطح ملف “العودة” بوصفه أحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في المشهد السوداني الراهن. غير أن ما يثير القلق هو توظيف حكومة بورتسودان لهذا الملف، لا باعتباره التزامًا إنسانيًا وقانونيًا تجاه المواطنين، بل كأداة للدعاية السياسية تُستخدم لإظهار صورة مصطنعة عن الاستقرار، في وقت لا تزال فيه أسباب اللجوء قائمة، بل ومتفاقمة.
العودة القسرية بين التنسيق السياسي وتجاهل القانون الدولي
تشير المعطيات الميدانية إلى أن عودة أعداد من السودانيين من مصر تمت في سياق تنسيق سياسي وأمني لا يراعي المعايير الدولية المعروفة للعودة الطوعية الآمنة والكريمة.
فالقانون الدولي للاجئين واضح في هذا الشأن:
لا عودة دون ضمانات أمنية، ولا إعادة لأي شخص إلى بيئة تهدد حياته أو كرامته.
إن أي ضغوط مباشرة أو غير مباشرة تُمارَس على اللاجئين، سواء عبر التضييق القانوني أو الأمني أو المعيشي، تُعدّ إعادة قسرية مقنّعة، وهي ممارسة محظورة بموجب الاتفاقيات الدولية التي تلتزم بها دول الجوار، وعلى رأسها مصر.
الدعاية السياسية بدل معالجة جذور الأزمة
تتعامل حكومة بورتسودان مع ملف العودة بوصفه إنجازًا إعلاميًا، فتُكثّف الخطاب حول “فتح باب العودة” و”تحسن الأوضاع”، دون تقديم إجابات حقيقية عن الأسئلة الجوهرية:
- أين سيستقر العائدون؟
- ما مستوى الأمان في مناطق عودتهم؟
- ما حجم الخدمات الصحية والتعليمية المتاحة؟
- من يتحمل مسؤولية حمايتهم؟
إن هذا الخطاب لا يعكس واقعًا فعليًا، بل يُستخدم لتثبيت شرعية سياسية مهزوزة، على حساب معاناة مواطنين أُنهكتهم الحرب والنزوح.
غياب الرؤية الأمنية الشاملة
لا يمكن الحديث عن رؤية أمنية في السودان بمعزل عن حقيقة أساسية لا تقبل الجدل:
لا تكتمل أركان أي رؤية أمنية دون اتفاق شامل بين أطراف الصراع.
حكومة بورتسودان لا تسيطر على كامل الأراضي، ولا تملك القدرة على فرض الأمن، ولا تمثل إطارًا جامعًا للسودانيين. وعليه، فإن أي ادعاء بتحقيق الاستقرار يُعدّ خطابًا سياسيًا منفصلًا عن الواقع، ويضع المدنيين – خاصة العائدين – في دائرة الخطر.
الرؤية الخدمية: وعود بلا قدرة تنفيذ
على المستوى الخدمي، تبدو الأوضاع أكثر هشاشة:
- نظام صحي شبه منهار
- مؤسسات تعليمية معطلة
- انقطاع واسع للمياه والكهرباء
- غياب فرص العمل وسبل العيش
فكيف يمكن الدفع بآلاف المواطنين للعودة إلى بيئة تعجز الدولة نفسها عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة فيها؟
من يدفع ثمن هذه السياسات؟
كالعادة، يدفع المواطن السوداني وحده الثمن:
- لاجئ يُعاد بلا ضمانات
- أسرة تعود إلى مناطق غير آمنة
- أطفال بلا تعليم
- نساء بلا حماية
فيما تُدار الأزمة بعقلية سياسية ترى في الإنسان أداة، لا غاية.
خاتمة
إن توظيف ملف العودة القسرية في الدعاية السياسية، بالتنسيق مع دول الجوار، يمثل انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان، ويُفاقم معاناة السودانيين بدل تخفيفها.
ولا يمكن الحديث عن أمن أو استقرار أو عودة حقيقية دون:
- وقف شامل للحرب
- اتفاق سياسي جامع
- ضمانات قانونية للعودة الطوعية
- بنية خدمية قادرة على الاستيعاب
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل “العودة” مجرد شعار، وستبقى المعاناة هي الحقيقة اليومية للسودانيين


إرسال التعليق