مجدي محمد : تشريح الأبارتهايد: كشف “الكود المصدري” للدولة السودانيةهل نحن دولة.. أم “فيروس” سياسي؟
توقف لحظة.
أغلق عينيك وتخيل دولة بُنيت منذ اليوم الأول لتقصي 90% من مواطنيها.
دولة ليست “فاسدة” أو “سيئة الإدارة” فقط، بل دولة مصممة هندسياً لتكون آلة طحن بشرية.
هذه ليست رواية ديستوبيا. هذا هو السودان.
في مقال الأمس، كشفنا أصل المؤامرة والخديعة؛ كشفنا من أطلق الطلقة الأولى، ومن أسس -مع سبق الإصرار والترصد- نظام فصل عنصري ما زال ينهش في جسد الشعوب السودانية حتى اليوم.
في العادة، حينما تسمع كلمة “أبارتهايد” (فصل عنصري)، تقفز إلى ذهنك فوراً صور من جنوب أفريقيا القديمة: لافتات بيضاء وسوداء تقول “للعرق الأبيض فقط”، حافلات منفصلة، وقوانين وقحة تعلن للعالم: “نحن عنصريون”.
كان ذلك شراً، لكنه كان شراً يمتلك الجرأة ليعلن عن وجهه القبيح.
أما في السودان، فنحن نعيش في ظل نظام فصل عنصري “جبان” متخفي، أكثر دهاءً، وأكثر خبثاً، وأطول عمراً.
إنه “أبارتهايد مقنع”.
إنه نظام لا يضع لافتات على أبواب المطاعم، لكنه يضع “أكواداً سرية” (قواعد خفية غير مكتوبة) في بنية الدولة، تفرز المواطنين تلقائياً عند بوابات الرزق والسلطة والكرامة.
في هذا المقال، سنقوم بتفكيك “نظام التشغيل” (Operating System – النظام الذي يحكم عمل الدولة) لدولة 56، لنثبت بالدليل القاطع أننا لا نعاني من “سوء إدارة” فقط، بل نعاني من “هندسة إقصاء” متعمدة، تحت غطاء الدين و العروبة.
الفرق بين “اللون” و”الثقافة”: كيف تخدعك الدولة؟
في جنوب أفريقيا، كان معيار التمييز “بيولوجياً” (لون البشرة).
لا يمكنك تغيير لونك، لذا كان القمع مباشراً.
أما في السودان، فالمعيار “ثقافي-ديني”.
الخدعة الكبرى التي مارسها “كارتيل المركز” (النخبة الحاكمة من الوسط والشمال النيلي) هي إيهام الناس بأن معيار الدخول إلى “نادي الامتيازات” متاح للجميع، بشرط واحد:
أن تتنازل عن هويتك الأصلية.
كلمة السر لدخول النظام هي: “العروبة والإسلام” (بمفهوم النخبة النيلية حصراً).
إذا كنت من دارفور أو جبال النوبة أو النيل الأزرق أو الجنوب، وتريد أن تنجو، عليك أن تتحدث لغتهم، وتلبس لباسهم، وتتنكر لأصلك، وتدعي نسباً مزوراً ينتهي بك إلى “العباس”. ورغم ذلك، ستظل في نظرهم “تابعاً” لا “شريكاً”.
لقد أطلق البروفيسور الاقتصادي الغاني جورج أييتي وصف “الأبارتهايد العربي” على ما يحدث في السودان، حيث تحتكر أقلية معرّفة ثقافياً السلطة، وتسحق الأغلبية الأفريقية/البدوية في الهوامش.
الأركان الخمسة لنظام “الأبارتهايد المقنع”
استناداً إلى دراسات مقارنة وتقارير حقوقية (بما فيها تقارير منظمة Equal Rights Trust ومتحف الهولوكوست الأمريكي)، يعمل “نظام التشغيل” السوداني عبر خمس خوارزميات (قواعد فرز تلقائية) رئيسية:
1/ التصنيف العرقي “المخفي” (The Hidden Sorting)
الدستور يقول “المواطنة هي الأساس”، لكن “التطبيق العملي” (الكود المصدري – القواعد الخفية) يحتوي على خوارزميات خفية.
في جنوب أفريقيا، كانت هناك بطاقة هوية تحدد عرقك.
في السودان، اسمك، لهجتك، وقبيلتك هي “البيانات البيومترية” (معلومات التعريف الحقيقية) التي تفتح لك الأبواب أو تغلقها.
في نقاط التفتيش، وفي معاينات الوظائف الدبلوماسية والكلية الحربية، يتم فرزك بناءً على هذه البيانات غير المكتوبة.
إذا لم تكن من “المثلث” (الخرطوم – ود مدني – عطبرة)، فأنت خارج النظام.
2/ الفصل المكاني “الناعم” (Soft Segregation)
لم يبنوا أسواراً عازلة، لكنهم بنوا “أسواراً تنموية”.
جعلوا الخرطوم (المركز) جنة الخدمات، وجعلوا الأطراف (دارفور، كردفان، النيل الأزرق) جحيماً من الإهمال.
هذا التصميم أجبر ملايين المهمشين على النزوح للخرطوم ليعيشوا في “أحزمة البؤس” (العشوائيات)، ليكونوا جيشاً من العمالة الرخيصة في خدمه الطبقة المركزية.
تماماً كما كانت “البانتوستانات” (مناطق السود المعزولة) تخدم جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا.
3/ الاحتكار الاقتصادي (The Cartel Economy)
الدولة صممت دورتها الاقتصادية لشفط الموارد من الأطراف (الذهب، النفط، الصمغ، الثروةالحيوانية) وضخ عائداتها حصرياً في جيوب نخب الوسط والشمال النيلي.
إنه نظام “كارتيل” (احتكار منظم) كلاسيكي:
المنتج (ابن الهامش) يزداد فقراً،
الوسيط/السمسار (ابن المركز) يزداد ثراءً.
البترول يُستخرج من كردفان، لكن المدارس والمستشفيات تُبنى في الخرطوم.
4/ القوانين كـ “برمجيات خبيثة” (Laws as Malware)
القوانين في السودان ليست مصممة لتحقيق العدالة، بل لحماية “الهوية الأحادية”.
لننظر إلى:
المادة (126) الردة التي سُلطت كسيف على رقاب المفكرين والخصوم السياسيين
المادة (152) الزي الفاضح التي صممت خصيصاً لإذلال نساء الهامش وجلدهن في الساحات العامة
هذه ليست قوانين؛ هذه “فيروسات” قانونية (برمجيات خبيثة مخفية) تمنح الحصانة للجلاد وتجرم الضحية لمجرد اختلافها ثقافياً.
5/ الإبادة كحل نهائي (The Delete Button)
عندما يفشل مشروع “التذويب الثقافي” ويثور الهامش، يضغط مسؤول النظام ببرود على زر “الحذف” (Delete – الإبادة).
ما حدث في:
جنوب السودان (انفصال ثلث البلاد بعد 2.5 مليون قتيل.
دارفور (300,000-400,000 قتيل).
جبال النوبة مئات الآلاف.
وفي الحرب الحالية، في الخرطوم والجزيرة و دارفور و كل السودان مئات الآلاف.
هذه ليست “أضراراً جانبية” أو خطأً في النظام (Glitch). بل ميزة أساسية (Feature) في تصميم الدولة: التخلص من الكتل الديموغرافية التي تهدد هيمنة الأقلية.
لذلك، لم يتردد متحف الهولوكوست الأمريكي ووزارة الخارجية الأمريكية في وصف ما جرى في دارفور “الإبادة الجماعية” (Genocide).
لماذا سقط القناع الآن؟ (تحطم النظام)
ظل هذا النظام يعمل بكفاءة مرعبة لـ 67 عاماً لأنه نجح في “قمع الضحايا بواسطة الضحايا” بصمت، في مناطق بعيدة لا تراها الكاميرات.
لكن، في 15 أبريل 2023، حدث “عطل فني” كبير (System Crash – انهيار النظام).
ذات القوة التي صنعها النظام لتحمي الأبارتهايد وتقمع الهامش (قوات الدعم السريع)، ارتدت عليه.
قوات الدعم السريع، التي بُنيت لحماية الأبارتهايد، اكتشفت بعد ثورة ديسمبر أنها جزء من المقموعين، لا من الحامين.
حينما جاءت ثورة ديسمبر المجيدة (2019) بنداء التغيير الحقيقي، اكتشف قادة الدعم السريع أن النظام يريدهم أدوات قمع لا شركاء في الوطن، رفضوا.
رفضوا أن يكونوا حراس السجن الذي هم محبوسون فيه.
فثار فرعون، هاج وماج، وشن الحرب.
انتقلت المعركة من “هامش بعيد” إلى “قلب المركز”.
لأول مرة، تجرع سكان المركز الكأس التي شرب منها سكان دارفور وجبال النوبة و النيل الأزرق و جنوب السودان السابق لعقود.
الخلاصة: لا ترقيع لنظام بائد
مهم جدا أننا نفهم طبيعة “الأبارتهايد المقنع” ، ذلك سيقودنا لاستنتاج واحد مؤلم ولكنه ضروري:
هذا النظام لا يمكن إصلاحه.
لا يمكن إجراء “تحديث” (Update) لنظام تشغيل مصمم أساساً ليكون فيروساً يلتهم شعبه.
الحل الوحيد هو “الفرمتة” الكاملة (Full Format):
تفكيك دولة 56 من جذورها، وبناء عقد اجتماعي جديد يعترف بأننا سودانيون متنوعون، ولسنا عرباً من الدرجة الثانية ولا أفارقة “عبيداً”. نحن أحرار في وطننا.
هنا ياتي السؤال اليك عزيزي القارئ، ماذا يمكنك أن تفعل انت الآن؟
لا تكن متفرجاً. كن فاعلاً.
شارك هذا المقال
كل مشاركة تكسر جدار الصمت الذي بناه النظام منذ 67 عاماً.
تحدث عن الأبارتهايد المقنع
في مجالسك الخاصة، مع أصدقائك، في عائلتك.
أكسر التابو. سمّ الأشياء بأسمائها.
وثّق قصتك
إذا كنت من الهامش، اكتب قصتك. العالم يحتاج أن يسمعك. احكي ما تعرضت له من ظلم و تمييز و عنصرية.
وإذا كنت من المركز لكنك “إنسان” و “منحاز لضميرك”، اكتب ما تعرفه عن خفايا و أسرارنظام التشغيل، مؤكد انك تعرف الكثير. اكتب شهادتك، العالم يحتاج لصوت شرفاء السودان.
ادعم المبادرات التي تطالب بسودان جديد
سودان فيدرالي، متنوع، ديمقراطي، يحترم كل مواطنيه.
لا تصمت. الصامت شريك.
في المقال القادم:
سنفتح ملفاً حساساً يتجنبه الجميع في مجالسهم الخاصة:
“خمسون درجة من السواد”
كيف تحكمنا “ديكتاتورية الألوان”؟
لماذا يعتبر “اللون الأسود/الأخضر” تهمة جنائية واجتماعية في السودان؟
ماذا يحدث حينما يصبح لون بشرتك “جريمة”؟
ترقبوا المقال الذي سيكشف العنصرية في أبشع صورها.
الأبارتهايد_المقنع
السودان_الجديد
كشف_المستور
هذا المقال جزء من سلسلة “كشف المستور” التي تهدف إلى فضح الأبارتهايد المقنع في السودان وبناء وعي جماعي بضرورة كسر حاجز الصمت و ضرورة التغيير الجذري.
نداء عاجل لأبناء الهامش: وثّقوا قصصكم!
إلى كل من رُفض من وظيفة بسبب اسمه او لونه.
إلى كل من أُهين في نقطة تفتيش بسبب لهجته.
إلى كل من حُرم من ترقية بسبب قبيلته.
إلى كل فتاة اهينت و جلدت لأن “أصلها أفريقي”.
إلى كل من أجبر على تغيير هويته.
صمتكم كان أحد أسباب تأخر كشف وفضح هذا الأبارتهايد المقنع للعالم.
العالم لا يعرف قصصكم.
النخب تحتكر السردية.
الإعلام يخفي معاناتكم.
لكن اليوم، أنتم تملكون الصوت.
وثّقوا قصصكم:
اكتبوها في تعليق على هذا المقال.
شاركوها على وسائل التواصل الاجتماعي مع هاشتاغ #الأبارتهايد_المقنع
أرسلوها إلى منظمات حقوق الإنسان الدولية،
حفظوها لأطفالكم ليعرفوا الحقيقة.
كل قصة هي وثيقة إدانة.
كل شهادة هي مسمار في نعش هذا النظام العنصري الجبان.
لا تصمتوا بعد اليوم.
sudan.witness@proton.me
يمكنكم التواصل عبر هذا الإيميل لتوثيق تجربتك



إرسال التعليق