آدم الحاج : أزمة الثقة وتأثيرها على مشروع التغيير - صوت الوحدة

آدم الحاج : أزمة الثقة وتأثيرها على مشروع التغيير

التخوين والتشكيك وأثرهما في الميدان

كيف تخرج شعوب الهامش من إرث الدولة الأمنية؟

الخميس 22 يناير 2026

مقدمة

تعاني مشاريع التغيير في السودان، لا سيما في مناطق الهامش، من عطبٍ بنيويٍّ خطير يتمثل في أزمة الثقة. وهي أزمة لم تنشأ بفعل الخلافات السياسية وحدها، بل صُنعت تاريخيًا عبر سياسات أمنية ممنهجة هدفت إلى تفكيك المجتمع، وتحويل الشك إلى ثقافة عامة، والتخوين إلى أداة يومية لإجهاض أي فعل جماعي.

في هذا السياق، يصبح السؤال الجوهري:
كيف يمكن لمشروع تغيير وطني أن ينجح في بيئة تشكّ في ذاتها أكثر مما تشك في خصومها؟

جذور الأزمة: حين تُدار السياسة بعقل أمني

لم تُعامل الدولة المركزية الهامش كشريك وطني، بل كمساحة يُدار استقرارها بالأدوات الأمنية لا السياسية. فتمّ:
• تجريم التنظيم والعمل العام
• شيطنة القيادات الاجتماعية والسياسية
• ربط أي حراك مطلبي أو ثوري بمفردات العمالة والاختراق

ومع مرور الزمن، تسرب هذا المنطق إلى داخل مجتمعات الهامش نفسها، فأصبح الشك سلوكًا دفاعيًا لا وعيًا نقديًا، وثقافة متوارثة لا مجرد موقف سياسي.

التخوين: السلاح الأخطر ضد مشروع التغيير

يُعد التخوين أحد أكثر أدوات الدولة العميقة فاعلية، لأنه لا يحتاج إلى قمع مباشر ولا إلى حضور أمني ظاهر.
يكفي أن ينتشر خطاب التخوين داخل صفوف قوى التغيير حتى:
• تنهار التحالفات الهشة
• تتآكل الثقة في القيادات
• يتحول الاختلاف السياسي إلى صراع أخلاقي وجودي

وهكذا يُهزم مشروع التغيير من داخله، بينما يراقب النظام القديم المشهد دون أن يطلق رصاصة واحدة.

التشكيك واغتيال المبادرات

في بيئة يسودها التشكيك الدائم:
• يُعاقَب الفعل والمبادرة
• يُكافَأ التردد والحياد السلبي
• يُنظر إلى كل محاولة تنظيم أو تفكير استراتيجي بوصفها مشروعًا مشبوهًا

فتفقد الساحة قدرتها على إنتاج قيادة موثوقة، أو برنامج واضح، أو قرار حاسم في لحظات المفصل التاريخي.

أثر أزمة الثقة على الميدان

في لحظات الفعل الثوري، تحتاج المجتمعات إلى:
• ثقة متبادلة بين الفاعلين
• وضوح في القيادة والهدف
• وحدة حدّها الأدنى الاتفاق لا التطابق

لكن استمرار منطق التخوين يحوّل الميدان إلى:
• ساحة استنزاف داخلي
• صراعات جانبية
• فقدان للبوصلة السياسية

وهو ما يسمح بإعادة إنتاج النظام القديم، حتى في غيابه الشكلي عن السلطة.

كيف تخرج شعوب الهامش من هذه الدائرة المغلقة؟

الخروج من أزمة الثقة لا يتم عبر الشعارات، بل عبر مسار واعٍ وطويل يقوم على:

أولًا: تفكيك الإرث الأمني في الوعي الجمعي، والاعتراف بأن كثيرًا من المخاوف مُصنّعة تاريخيًا.
ثانيًا: الفصل الواضح بين النقد السياسي المشروع والتخوين الأخلاقي المدمّر.
ثالثًا: بناء الثقة عبر الشفافية، ووضوح البرامج، والمحاسبة الداخلية لا التشهير العلني.
رابعًا: إعادة الاعتبار للعمل الجماعي والمؤسسي، مهما كان بطيئًا أو معرّضًا للأخطاء.

فلا تغيير بلا تنظيم، ولا تنظيم بلا حدّ أدنى من الثقة المتبادلة.

من ثقافة الشك إلى أخلاقيات الاختلاف

الاختلاف السياسي ظاهرة طبيعية وصحية، لكن تحويله إلى تخوين دائم يعني إعادة إنتاج منطق الدولة الأمنية داخل مشروع التغيير نفسه.
مشاريع التحول لا تحتاج إلى قوى مثالية، بل إلى قوى قادرة على:
• الاختلاف دون تخوين
• النقد دون تدمير
• الاستمرار رغم الأخطاء والتباينات

خاتمة

أزمة الثقة في الهامش ليست قدرًا محتومًا، لكنها نتيجة مباشرة لعقود من الحكم الأمني وتغييب السياسة. ولن ينجح أي مشروع تغيير ما لم يجرؤ على مواجهة هذا الإرث، لا بإعادة إنتاجه، بل بتفكيكه وفضحه.

فالثورات لا تُهزم بالقمع وحده،
بل تُهزم حين تفقد ثقتها بذاتها

إرسال التعليق

لقد فاتك