إسماعيل هجانة : اقتصاد إدارة النزاع: إثيوبيا وكينيا وإعادة هندسة النفوذ في القرن الإفريقي - صوت الوحدة

إسماعيل هجانة : اقتصاد إدارة النزاع: إثيوبيا وكينيا وإعادة هندسة النفوذ في القرن الإفريقي

تمرّ منطقة القرن الإفريقي بواحدة من أعقد البيئات الجيوسياسية في العالم؛ نزاعات متعددة وممتدة، تداخل السلاح بالاقتصاد، بما في ذلك المياه، وارتباط الموارد بالسيادة والهوية. تتقاطع هذه العوامل مع شبكة معقّدة من الاصطفافات الإقليمية، وحروب استنزاف قائمة أو مُخطَّط لها، تُدار أحيانًا بصمت، وأحيانًا بأدوات مكشوفة، وتنعكس آثارها مباشرة على استقرار الدول والمجتمعات.
داخل عمق هذا الوضع الصعب والمضطرب، ومع ثقل التحديات وتراكمها، يظهر للمراقبين مسار مختلف تقوده إثيوبيا وكينيا. مسار لا ينكر الصراع ولا يتجاهله، بل يتعامل معه كواقع يجب إدارته بعقل الدولة. هنا يتقدّم النمو الاقتصادي كأداة عملية لإعادة صياغة علاقة الدولة بالصراع، وتحويل الضغط الجيوسياسي من عبء مستنزِف إلى فرصة تنظيمية وتنموية، تُعاد عبرها هندسة الأولويات، وتُبنى مساحات أوسع للمناورة والاستقرار النسبي.
ويضع تقرير الأمم المتحدة: الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه 2026 هاتين الدولتين في قلب التوسع الاقتصادي الإفريقي. فالقارة تتجه نحو نمو 4.0% في 2026 ثم 4.1% في 2027 بعد 3.9% في 2025، بينما يسجّل الإقليم الذي تقوده إثيوبيا وكينيا 5.8% في 2026 مقارنة بـ 5.4% في 2025.
هذا التقدّم يأتي في لحظة عالمية يتحرّك فيها الاقتصاد الدولي بوتيرة أبطأ؛ مع توقّع نمو 2.7% في 2026 بعد 2.8% في 2025، وبفارق واضح عن متوسط ما قبل الجائحة البالغ 3.2%. هذه المفارقة تُظهر ثقل التحوّل الجاري في القرن الإفريقي، حيث يتقدّم الإقليم اقتصاديًا بينما يعيد العالم ترتيب أولوياته تحت ضغط التباطؤ وعدم اليقين.
حينما يصبح النزاع متغيّرًا اقتصاديًا في القرن الإفريقي، تتحوّل النزاعات من أحداث طارئة إلى عامل ثابت داخل معادلة التخطيط الاستراتيجي، وأحد محددات فهم مسارات العبور المستقبلية، وتغيّر القراءة التقليدية للجغرافيا والحدود والفرص.
في هذا السياق، انتقلت إثيوبيا من صراعات داخلية معقّدة ما تزال تلقي ببعض ظلالها على الدولة والمجتمع، إلى مسار إعادة هيكلة مالية واستثمارية، مع تركيز كثيف على الطاقة المتجددة والبنية التحتية العابرة للأقاليم، بوصفها أدوات لتثبيت الاقتصاد وتقليص كلفة الاضطراب.
أما كينيا، فقد تعاملت مع محيط إقليمي متقلّب عبر ترسيخ موقعها كمركز مالي ولوجستي، وبناء معادلة تربط الأمن بالاستثمار، والاستثمار بالاستقرار المؤسسي، ضمن رؤية تعتبر الاقتصاد خط الدفاع الأول عن الدولة.
هذا التحوّل أعاد تعريف أثر الصراع على النمو؛ فبدل أن يشلّه، جرى احتواؤه داخل سياسات مرنة تقوم على:
تحييد مناطق الإنتاج عن مسارات العنف
تنويع مصادر الطاقة لتقليل الصدمات والارتهان
توسيع التجارة البينية لتخفيف الاعتماد على مسارات هشّة
هكذا يتحوّل النزاع من عامل تعطيل كامل إلى متغيّر مُدار، يُعاد توظيفه داخل هندسة اقتصادية أوسع، تعيد رسم العلاقة بين الدولة والصراع في القرن الإفريقي.

إرسال التعليق

لقد فاتك