سارة السعيد : الخليج بعد النظام العالمي: القوة من داخل التفكك
اكتسبت دول الخليج نمطاً مميّزاً من النفوذ في بيئة دولية تتشكّل على نحو متزايد وفق منطق التفكك لا النظام. ولا تستمد أهميتها الاستراتيجية من حجمها الديمغرافي أو امتدادها الجغرافي، بل من موقعها داخل البنى التحتية التي يقوم عليها الاستقرار العالمي. أسواق الطاقة، والممرات البحرية، وتدفّقات رأس المال، وشبكات اللوجستيات، والهندسات الرقمية الناشئة—كلها تتقاطع في الخليج في لحظة يتعرّض فيها تماسك الحوكمة العالمية لضغوط بنيوية متصاعدة. ومع انتقال القوى الكبرى من بناء أنظمة دولية إلى احتواء صعود بدائلها، بات الخليج عقدة محورية في مشهد تحكمه حالة « عدم استقرار مُدارة».
تظل الطاقة حجر الزاوية في هذا التموضع الاستراتيجي. فعلى الرغم من تسارع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، ما تزال الهيدروكربونات ترتكز إليها متانة الاقتصاد العالمي. وتمتلك المملكة العربية السعودية و الإمارات العربية المتحدة هامشاً من التحكم في الإمدادات لا يضاهيه أي منتج آخر. وتترتب على تعديلات الإنتاج—لا سيما في فترات تقلب الأسواق—آثار منظومية تتجاوز الإقليم. وقد أظهر الاضطراب الطاقي عقب غزو روسيا لأوكرانيا مدى اعتماد الاقتصادات الكبرى على قدرة الخليج على تنظيم السوق العالمي. وبعيداً عن التراجع، أعادت الطاقة ترسيخ دور الخليج كعامل استقرار في عالم يتسم بتصاعد عدم اليقين.
وبالتوازي، رسّخ الإقليم موقعه كمحور مركزي للربط اللوجستي والبنيوي. فالأصول المينائية السعودية والإماراتية تصل بين أوروبا وآسيا وأفريقيا عبر شبكات تجارية في ظاهرها، استراتيجية في نتائجها. موانئ مثل جبل علي وخليفة وجدة تشكّل جزءاً من بنية بحرية أوسع تتوقف عليها استمرارية التجارة العالمية، وتعتمد على وسطاء قادرين على امتصاص الصدمات الجيوسياسية. وتتيح هذه الاستراتيجية كثيفة البنية التحتية للخليج العمل عبر جغرافيات متعددة دون الارتهان بنيويًا لساحة واحدة.
وتُعمّق القوة المالية هذا الموقع. فصناديق الثروة السيادية—ومنها صندوق الاستثمارات العامة ومبادلة وجهاز قطر للاستثمار—تؤثر في قطاعات تمتد من التكنولوجيا المتقدمة إلى المعادن الحيوية. وتخلق هذه الاستثمارات نفوذاً يتجاوز الاصطفافات الدبلوماسية التقليدية. إذ يتغلغل رأس المال الخليجي في مراكز مالية كبرى وفي صناعات محورية للاقتصاد الرقمي الصاعد، ما يوفّر للإقليم وصولاً إلى منظومات صنع القرار في واشنطن وبكين ولندن ووادي السيليكون، من دون الالتزامات التي تصاحب عادة التحالفات الأمنية.
وقد أتاح هذا الاستقلال متعدّد الاتجاهات لدول الخليج التنقّل بمرونة لافتة في خضم احتدام التنافس الأمريكي–الصيني. فهي تحافظ على شراكات أمنية راسخة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته توسّع علاقاتها التكنولوجية والتجارية والطاقية مع الصين. تستثمر في شركات ذكاء اصطناعي أمريكية، وتتعاون مع جهات صينية في البنية الرقمية ومراكز البيانات. وليس هذا «تحوّطاً» لذاته، بل تكيّفاً مع بيئة عالمية يفرض فيها الاصطفاف الحاد مع قطب واحد قيوداً مكلفة. ويعكس الموقف الخليجي منطق عصر تتدفق فيه القوة عبر الشبكات لا عبر الكتل.
وتتبع الانخراطات الإقليمية المبادئ نفسها. ففي القرن الأفريقي واليمن والبحر الأحمر والساحل، تتدخل دول الخليج بصورة انتقائية لحماية النفاذ البحري، وتأمين مصالح الموانئ، واستقرار الممرات اللوجستية، أو إدارة المخاطر العابرة للحدود. مقاربتها وظيفية لا أيديولوجية، مُعايرة لا تعظيمية؛ تسعى إلى نفوذ من دون تحمّل كلفة نتائج سياسية شاملة. وينتج عن ذلك نمط حضور يتفادى أعباء التدخل طويل الأمد مع الحفاظ على أوراق التأثير عند نقاط الاضطراب الحرجة.
ويجسّد البحر الأحمر هذه الدينامية بوضوح خاص. فمع تحوّله إلى أحد أكثر الفضاءات البحرية تنافساً عالمياً، سعت دول الخليج إلى حماية استراتيجيات التنويع الاقتصادي وخطوطها البحرية الحيوية من دون تولّي وصاية على إطار أمني شامل. فهي تعمل ضمن بيئة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران ومصر وإسرائيل وفاعلين إقليميين، لكلٍّ أهدافه الخاصة. لذا تُعطي المشاركة الخليجية الأولوية للنفاذ والاستمرارية ومتانة الممرات، لا لبناء نظام أمني موحّد لا يحظى بدعم أي فاعل كبير في الوقت الراهن.
ويضع هذا النمط الخليج في قلب معمار عالمي آخذ في التحول. ففي نظام دولي تُدار فيه الفراغات الاستراتيجية بدل أن تُحل، تمنح القدرات البنيوية والمالية واللوجستية للخليج استقلالية تفوق حجمه الجغرافي. ويستمد نفوذه لا من فرض نظام إقليمي، بل من العمل بكفاءة داخل الفجوات البنيوية التي تخلّفها المنافسة العالمية. لقد غدت قدرة الإقليم على تحويل التفكك المنظومي إلى رافعة استراتيجية إحدى سماته الفارقة.
وتعكس مسارات دول الخليج تحولاً أوسع في السياسة الدولية: بات النفوذ من نصيب القادرين على تشكيل الشبكات والممرات والتدفّقات، لا أولئك المعتمدين على الإسقاط الإقليمي أو الاصطفاف الأيديولوجي. وفي عالم يمر بمراحل من عدم الاستقرار المُدار، لن تتراجع أهمية الخليج. فدلالته لا تكمن في طموحه لتصميم النظام المقبل، بل في قدرته على العمل بفاعلية حيث يتزعزع النظام القائم.
ومع استمرار التفكك في هيكلة الشؤون العالمية، سيظل الخليج فاعلاً ذا أثر—لا لأنه يسعى لتعريف النظام الدولي التالي، بل لأن الآخرين باتوا يعتمدون أكثر فأكثر على قدرته على الملاحة في المساحة التي خلّفها تآكل النظام الحالي.


إرسال التعليق