حذيفة أبو نوبة : حرب أبريل وتأسيس الدولة: سؤال الجذور في التجربة السودانية.
التاريخ الممتد للتجربة البشرية يكشف بوضوح أن الحروب رغم ظلاماتها وقسوتها، قد قادة في في كثير من الأحيان، إلى هندسة المستقبل، وانتاج انماط جديدة من الاقتصاد والاجتماع السياسي، بتفكيك البنى القديمة وانهيار المسلّمات والصيغ التقليدية، التي فقدت قدرتها على الاستمرار، ثم خرج من ركام الحروب ومآسيها، تعريف ومعنى جديد للسلطة والشرعية والانتماء، روما خرجت من حروب أهلية إلى جمهورية أكثر تماسكاً، والقارة الأروبية التي نراها اليوم كعنوان للحضارة والرقي، كانت قد عبرت من خلال حروب دينية دامية، إلى مشروع الدولة الوطنية القومية، وأفريقيا الحديثة قد تشكلت عبر مخاضات عنيفة أنتجت حدود وهويات وأنظمة حكم، استقر وتطور بعضها، ولا يزال البعض الآخر في حالة مستمرة من الارتباك.
الحرب في هذا السياق تعمل كقوة كاشفة، تزيح الغطاء عن الهشاشة الاجتماعية، وتفضح الفجوة بين المجتمع والدولة، وتُظهر حجم الاختلاف الكامن داخل المجموعات السكانية في الجغرافيا الواحدة، ثم ان الحرب كذلك تجرد السلطة من قناعها الزائف، وتوثق قذارة النخبة وعدم تورعها في ارتكاب الجرائم، للمحافظة على امتيازها في السلطة والثروة واحتكار القرار السياسي، حين تقع الحرب تتعرى السلطة من خطابها الرسمي، وتتحول من إدارة الشأن العام إلى غول يبتلع كلما من شأنه تهديد وجودها، عند هذه النقطة تبدأ المجتمعات في البحث عن صيغ أعمق للوجود والانتماء، صيغة تتجاوز المؤسسات القائمة، إلى الأسس التي قامت عليها تلك المؤسسات.
التأسيس من القاعدة أو الجذور، نعني به إعادة النظر في العلاقة بين المجتمع والسلطة، بين الإنسان والموارد، بين الثقافة والنظام السياسي، يعني أن يتحول المجتمع من حالة الاستهلاك السياسي، إلى الإنتاج السياسي، بحيث يشارك الناس في صياغة المعنى العام للسلطة، ويحددون بالأصالة قواعد توزيعها، ويعيدون تعريف فكرة الخدمة العامة، ويصيغون تصوراتهم للتنمية والخدمات وحفظ الأمن والعدالة، هذا التأسيس لا يبدأ بالقوانين إنما بالوعي والإدراك بجوهر مصالحهم بعد إعادة تعريفها بالصورة الصحيحة، ولا ينطلق من المكاتب والدوائر النخبوية الضيقة، بل من قلب المجتمع ومشاغله، واعادة الاعتبار للناس بوصفهم شركاء في الدولة لا رعايا داخلها.
السودان الآن يعيش لحظة من هذا النوع، حيث كشفت الحرب عن تصدعات قديمة ومستمرة في بنية الاجتماع الوطني، وعن إرث طويل من الفشل في إدارة التنوع، والتعامل مع الأطراف بوصفها هوامش خاضعة لمركز مهيمن. هذا الإرث صنع دولة واسعة جغرافياً، فاشلة وغير مستقرة سياسياً، قوية في أدوات القسر والقهر، ضعيفة في امتلاك أدوات البناء والنهضة، حاضرة في الخطب الرنانة، وغائبة أبداً في الحياة اليومية لشرائح واسعة من السكان، في هذه اللحظة يتحول سؤال إعادة البناء والترميم، إلى إعادة تعريف مشروع الدولة ذاته، مشروع يعترف بتعدد السودان الثقافي والاجتماعي بوصفه طاقة لا عبئ، ويرى في الناس العاديين شركاء في السيادة، لا موضوعات للإدارة، ويؤسس للعدالة بوصفها نظام توزيع للفرص والمعنى معاً، ويمنح السياسة وظيفة أخلاقية قبل أن تكون وظيفة إجرائية.
الدول التي خرجت منتصرة من حروبها الداخلية، لم تتعافى عبر العودة إلى نقطة ما قبل الصراع، إنما عبر صناعة وإنتاج شرعيات جديدة معبرة عن نفسها، شرعيات مستمدة من القاعدة وخادمة لمصالحها المباشرة. ثم اعتماد سرديات أعادة ترتيب الذاكرة الجماعية، ومنح الناس لغة مشتركة للحديث عن الماضي والمستقبل في آن واحد، من دون هذه السرديات يبقى المجتمع أسيراً للصدمة، وتبقى الدولة مجرد هيكل رمزي، فوق فراغ قابلا للانهيار مع أول اختبار عنيف، السودان في حاجة إلى مشروع تأسيسي من هذا النوع مشروع ينقل الناس من الحاجة إلى النجاة الفردية، إلى أفق المصير المشترك، ومن ثقافة الشك والتربص، إلى ثقافة العقد العام، ومن منطق الغلبة إلى منطق المشاركة، إن الحرب الحالية في السودان كشفت عمق الأزمة في السودان، ويجب استغلال هذه الفرصة لاعادة ترتيب المشهد بكامله، وتأسيس الدولة على أسس جديدة.
التأسيس من الجذور يجب أن يكون فعل جماعي شجاع، لا يهاب المسلّمات ولا يؤمن بها، شجاعة تعترف بالأخطاء وتعالجها بصورة جذرية، وتفكك الامتيازات الموروثة، وتمنح الناس العاديين الحق في تعريف مصالحهم وخدمة اهدافهم، وفق قواعد صارمة، يتم صناعتها وتكييفها مع السياقات المحلية، وصولاً ليناء دولة محترمة تخدم أجندة الوحدة والتغيير، وترى مواطنيها جميعاً في مرآة واحدة، عندها تتحول الحرب من جرح مفتوح إلى ذاكرة حية محفزة للشعوب السودانية للسير على الطريق الصحيح، وتتحول الدولة من جهاز حكم بيروقراطي مغلق، إلى معنى وفضاء مشترك، ويبدأ التاريخ فصلاً جديداً، يُكتب هذه المرة من عمق المجتمع ومشاغله، لا من فوقه.



إرسال التعليق