سارة السعيد : الضرورة البحرية الإثيوبية وتفكّك السودان: كيف يُعاد رسم الجغرافيا الاستراتيجية للبحر الأحمر
لم تعد حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري آمن مجرّد طموح استراتيجي بعيد المدى، بل تحوّلت إلى ضرورة جيوسياسية ملحّة تُشكّلها ديناميات ديمغرافية متسارعة، وضغوط اقتصادية تراكمية، وضعف بنيوي ناتج عن اعتماد شبه كامل على جيبوتي. ويشهد البحر الأحمر اليوم انتقالاً من منطق الأمن القائم على الدولة إلى منطق الممرّات، حيث تتفوّق السيطرة على البنية التحتية على السيادة الإقليمية التقليدية. وقد أصبحت الضرورة البحرية الإثيوبية العامل المسرّع لهذا التحوّل. ويزداد هذا التحوّل حساسية لأن توقيته يتزامن مع دخول السودان مرحلة تفكّك حاد، ما أدى إلى زوال القيود التي كانت سابقاً تحدّ من إعادة تشكيل الممرّات البحرية وترتيبات الأمن الإقليمي، وفتح المجال أمام فراغات قابلة لإعادة التشكيل بوساطة القوى الخارجية.
لم يؤدِ انهيار السودان الداخلي إلى إضعاف مؤسسات الدولة فحسب؛ بل فكّك أيضاً الهياكل التي كانت سابقاً تُقيّد قدرة إثيوبيا على البحث عن بدائل بحرية. فبدلاً من مواجهة سلطة مركزية متماسكة تتفاوض من موقع قوة، تجد أديس أبابا نفسها أمام مشهد سياسي موزّع، تُشكّله مراكز نفوذ عسكرية ومحلية وخارجية متداخلة. ولا يقتصر أثر هذا التفكّك على إضعاف قدرات السودان، بل يحوّل البلاد إلى مساحة قابلة لإعادة التشكيل يمكن من خلالها التفاوض على ترتيبات بحرية ولوجستية وأمنية، كانت مستحيلة في ظل دولة موحّدة ذات إرادة سياسية مركزية. وفي بيئة تزداد فيها أهمية السيادة التحتية مقارنة بالسيادة الكلاسيكية، تصبح هذه السيولة محفّزاً لتحوّلات استراتيجية عميقة.
تتجلّى الضغوط التي تدفع إثيوبيا نحو البحر في عدة مستويات. فعدد السكان الذي يتجاوز 120 مليون نسمة، ونسب النمو من بين الأعلى إفريقياً، يفرضان حاجة إلى ممرّات تجارية آمنة ومتنوّعة. أكثر من 95% من واردات إثيوبيا تمر عبر جيبوتي، وتشير بيانات OSINT لعامي 2023–2024 إلى ارتفاع لافت في مؤشرات الاختناق: ازدادت مدة بقاء الحاويات بنسبة 17%، وامتدت طوابير السفن على نحو متكرر خلال الفترات الذروة. ورغم أن هذه الأرقام تبدو تقنية، إلا أن صانعي القرار في أديس أبابا يرون فيها إشارات إنذار بنيوية. فلا يمكن للاقتصاد ولا للاستقرار السياسي أن يعتمدا على نقطة دخول واحدة تتعرض لضغوط متزايدة.
لكن إثيوبيا لم تعد تكتفي بالمسار الدبلوماسي التقليدي. فقد وسّعت أدواتها تدريجياً: بناء شبكات مرافئ جافة موازية، استكشاف ممرّات نقل متعددة الوسائط عبر بني شنقول–النيل الأزرق، إرسال فرق تقنية لتقييم مواقع إنزال بحرية محتملة في شرق السودان، مراقبة أنماط السيطرة القبلية–المليشياوية في مناطق العبور، وتجريب ترتيبات أمنية–لوجستية محدودة مع سلطات محلية تقدّم النفاذ إلى الأراضي دون الحاجة إلى اعتراف دولتي. تعكس هذه الأدوات انتقالاً من التفاوض بين الدول إلى انخراط متعدد المستويات مع مختلف الجهات التي تسيطر على الجغرافيا ذات الصلة.
أما السودان فيمر بمرحلة انهيار مؤسسي وإقليمي عميق. مساحات واسعة من الغرب والوسط تقع خارج سيطرة الدولة المركزية، فيما تحوّل ميناء بورتسودان إلى نقطة تجمع معقّدة تجمع قوى عسكرية وسياسية وخارجية ذات مصالح متعارضة. وتُظهر صور الأقمار الصناعية وتحليل الأنماط اللوجستية خلال العام الماضي اختناقات متكررة، ودورات مناولة غير منتظمة، وظهور مسارات إمداد بديلة مدعومة باستثمارات خليجية. وتكشف هذه المؤشرات عن ممرّ بحري لم يعد يُدار من قبل دولة موحّدة، بل من شبكة متغيّرة من الفاعلين.
وفي هذا المشهد، لم تعد الأطراف التي تتفاوض معها إثيوبيا محصورة في السلطات الرسمية لبورتسودان. ففي الشرق، تظهر مجموعات محلية مرتبطة بالبيجا، وسلطات بلدية في سواكن وطوكر، وشبكات اقتصادية–مليشياوية ناشئة حول الخدمات اللوجستية الساحلية. وفي الداخل، تسيطر جهات مسلحة مرتبطة بقوات الدعم السريع على الطرق التي تصل الحدود الإثيوبية بوسط السودان. أما في مناطق العبور الحدودية، فالشبكات القبلية التي تحتكر الحركة والأمن أصبحت فاعلاً حاسماً. كل طرف يسيطر على جزء من الجغرافيا التي تدور حولها الحسابات الإثيوبية — ما يخلق فرصاً ومخاطر في الوقت نفسه.
لم تتجاهل أديس أبابا هذه التحوّلات. فعلى الرغم من لغتها الدبلوماسية الحذرة، تشير أنماط سلوكها إلى إعادة تموضع استراتيجي أعمق. وقد شكّل مذكرة التفاهم التي وقّعتها مع أرض الصومال عام 2024 — والتي قدّمت لإثيوبيا منفذاً بحرياً مقابل اعتراف سياسي — خطوة ضمن استراتيجية متعددة المسارات. وتشير تقارير OSINT إلى نشاط لوجستي إثيوبي متزايد على الحدود السودانية، وإلى وفود استطلاعية شوهدت في شرق السودان، بما يدل على حسابات إثيوبية تتجاوز خيار أرض الصومال.
وهنا يظهر التناقض الحاد بالنسبة للسودان. فالتفكك يجعل الدولة أكثر هشاشة أمام الضغوط، لكنه في الوقت نفسه يجعلها مساحة تفاوض جذّابة بفضل غياب مركزية القرار. تدرك إثيوبيا هذه الثنائية. فالسودان الممزق يسمح بالتفاوض مع سلطات لا تسيطر على الدولة ككل، لكنها تتحكم في الجغرافيا الحاسمة.
وفي خضم ذلك، تعيد القوى الإقليمية ترتيب أولوياتها. فالسعودية والإمارات تنظران إلى العلاقة الإثيوبية–السودانية من منظور المنافسة على الممرات والموانئ. تكشف سجلات الاستثمار ومفاوضات الامتيازات والمشاريع اللوجستية عن انخراط خليجي متزايد، لا يقوم على تنسيق مشترك، بل على طموحات متقاطعة تزيد من كثافة النظام البحري. وهذه التحركات ليست ظرفية، بل جزء من تنافس أوسع على الهندسة التحتية للبحر الأحمر.
أما مصر فترى في التحرك البحري الإثيوبي امتدادًا للصراع الاستراتيجي حول النيل والنفوذ الإقليمي. قلق القاهرة بنيوي: فإثيوبيا التي تنوع منافذها البحرية تكتسب قدرة أكبر على المناورة وتقلّ تبعيتها للضغوط الخارجية. وسودان يقترب من إثيوبيا — أو يصبح قابلاً للاختراق الإثيوبي — يُربك التصورات المصرية التقليدية حول أمن البحر الأحمر ونقطة الدخول الجنوبية لحوض النيل.
وتتابع القوى الغربية هذه التحولات بحذر. فالولايات المتحدة
والاتحاد الأوروبي يركّزان على ضمان استقرار الملاحة في البحر الأحمر وتجنب الفراغات التي قد تستقطب فاعلين مزعزعين. لكن نفوذهما البنيوي محدود: لا يملكان حضوراً على مستوى البنى التحتية مشابهاً للخليج، ولا دافعاً ديمغرافياً–استراتيجياً كالذي يدفع إثيوبيا. وتظهر بيانات OSINT الخاصة بالانتشار البحري والتحويلات الملاحية خلال تصعيد 2024–2025 أن الاستجابة الغربية باتت رد فعل متأخراً أكثر منها محاولة استباقية للتثبيت.
وعليه، لا ينبغي قراءة المسعى البحري الإثيوبي كهدف لوجستي فحسب، بل كقوة إعادة تشكيل إقليمية. فهو يتقاطع مع تفكك السودان، وتنافس الخليج، وهواجس الأمن المصرية، وسيولة البحر الأحمر المتزايدة. ولا تكمن المخاطر في سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر، بل في سعيها داخل بيئة تفتقر إلى الهياكل القادرة على تثبيت أو ضمان ترتيبات بعيدة المدى.
ويبقى السؤال الأعمق: هل يشكّل تفكّك السودان نافذة مؤقتة أم فرصة هيكلية طويلة؟ فإذا تحولت الانقسامات الحالية إلى نظام فعلي، ستجد إثيوبيا نفسها تتفاوض مع سلطات تملك السيطرة الفعلية وتفتقر إلى الاعتراف الدولي. وقد تتيح هذه الترتيبات مكاسب سريعة، لكنها تؤسس لهشاشة مزمنة. وإذا تمكنت قوى خارجية من فرض شكل من أشكال الوحدة المُدارة على السودان، فستصبح المفاوضات البحرية الإثيوبية جزءاً من تسوية أوسع، لا صفقة ثنائية. وفي الحالتين، يبقى الملف البحري لصيقاً بإعادة التموضع المنظومي في الإقليم.
ستواصل إثيوبيا سعيها إلى البحر لأن دوافعه البنيوية دائمة. وسيتحدد مستقبل السودان أكثر بضغوط الفاعلين عليه لا بإرادته الداخلية. وسيصبح ممر البحر الأحمر أكثر ازدحاماً لأن قيمته الاستراتيجية ترتفع في اللحظة ذاتها التي تنخفض فيها درجة تماسكه السياسي. وما يتشكل الآن ليس مجرد منافسة على الطرق، بل إعادة معايرة للقوة في إقليم بات يُعرَّف عبر أنظمته التحتية أكثر من خرائطه السياسية.
وتكشف اللحظة الراهنة عن إقليم تتحرك فيه كل القوى تحت ضغط الضرورة: إثيوبيا تتقدم لأنها مضطرة؛ السودان يُعاد تشكيله لأنه عاجز عن المقاومة؛ والقوى الخارجية تتدخل لأن كلفة الغياب ترتفع. وإذا استمرت الأنماط الحالية، سيدخل البحر الأحمر مرحلة تصبح فيها ممرّات النفاذ — لا الحدود الوطنية — الوحدات الأساسية للمنافسة الاستراتيجية، وستبرز إثيوبيا بوصفها الفاعل الأكثر قدرة على إعادة رسم هذه الهندسة الجديدة.
ستواصل إثيوبيا سعيها إلى البحر لأن دوافعه البنيوية دائمة. وسيتحدد مستقبل السودان أكثر بضغوط الفاعلين عليه لا بإرادته الداخلية. وسيصبح ممر البحر الأحمر أكثر ازدحاماً لأن قيمته الاستراتيجية ترتفع في اللحظة ذاتها التي تنخفض فيها درجة تماسكه السياسي. وما يتشكل الآن ليس مجرد منافسة على الطرق، بل إعادة معايرة للقوة في إقليم بات يُعرَّف عبر أنظمته التحتية أكثر من
خرائطه السياسية.
وتكشف اللحظة الراهنة عن إقليم تتحرك فيه كل القوى تحت ضغط الضرورة: إثيوبيا تتقدم لأنها مضطرة؛ السودان يُعاد تشكيله لأنه عاجز عن المقاومة؛ والقوى الخارجية تتدخل لأن كلفة الغياب ترتفع. وإذا استمرت الأنماط الحالية، سيدخل البحر الأحمر مرحلة تصبح فيها ممرّات النفاذ — لا الحدود الوطنية — الوحدات الأساسية للمنافسة الاستراتيجية، وستبرز إثيوبيا بوصفها الفاعل الأكثر قدرة على إعادة رسم هذه الهندسة الجديدة.



إرسال التعليق