حسن علي سنهوري : التنمية الزراعية من اجل السلام في السودان كيف تشكل سمات الشخصية السودانية مستقبل التنمية الزراعية - صوت الوحدة

حسن علي سنهوري : التنمية الزراعية من اجل السلام في السودان كيف تشكل سمات الشخصية السودانية مستقبل التنمية الزراعية

مقدمة:
يُعزى جزء من أسباب الإخفاق المزمن للتخطيط التنموي في السودان، خاصة في القطاع الزراعي الحيوي، إلى النموذج الفكري القاصر الذي تبلورت معالمه بفعل التناقضات العميقة المتأصلة في الشخصية الوطنية السودانية. فقد أدت المنهجيات التي عفا عليها الزمن، على مدى عقود، إلى إهدار رأس المال الاستثماري، وتعميق الفوارق التنموية، وتفويت فرص تاريخية ثمينة؛ مما يؤكد أن الخلل لا يكمن في النوايا، بل في العقلية التي توجه عملية التخطيط.

يهدف هذا المقال إلى بناء جسر يربط التحليلات السوسيولوجية للشخصية السودانية بالممارسات العملية للنخب المهنية. ويجادل المقال بأن فهم السمات الوطنية المتناقضة للشخصية السودانية — التي تتراوح بين التكافل والعشوائية، والصمود والقدرية — هو مفتاح أساسي لتشخيص احد اهم أسباب إخفاق الخطط الزراعية المتعاقبة واقتراح حلول أكثر استدامة. فبدون تشريح هذه العقلية، سنبقى نعالج الأعراض بدلاً من الأسباب الجذرية. سيستعرض هذا التحليل أولاً السمات الرئيسية المزدوجة للشخصية السودانية، ثم يربطها بالنموذج الفكري المهيمن في التخطيط الزراعي..

تداعيات سمات الشخصية السودانية
يجب ألا تقتصر التحليلات النظرية للشخصية السودانية على الاستهلاك الأكاديمي وحصرها في دوائر النخب المنتجة. بل ينبغي الاستفادة من نتائج هذه التحليلات كمرجعية أساسية لفهم تأثيراتها الملموسة على أرض الواقع، خاصة عند الغوص عميقًا في “الحمض النووي الثقافي” للشخصية السودانية. هذه الشخصية تحمل سمات مزدوجة تشكل فرصًا هائلة وتحديات جسيمة في آن واحد؛ فهي محرك للمقاومة الشعبية ومعوِّق للبناء المؤسسي في الوقت نفسه، وتحليل هذه السمات ضروري لفهم الفشل الهيكلي للدولة السودانية.

تتجلى هذه الازدواجية في التناقضات التالية:

  • السمات الإيجابية (رأس المال الاجتماعي): تتمتع الشخصية السودانية بمخزون غني من القيم الإيجابية التي تمثل رأسمالًا اجتماعيًا هائلاً. قيم مثل الكرم، والتكافل الاجتماعي، وعزة النفس، والصمود، والتسامح الديني، تشكل أساسًا متينًا للصمود المجتمعي في وجه الأزمات، وكانت المحرك الأساسي للانتفاضات الشعبية المتعاقبة ضد الأنظمة الاستبدادية. هذه القيم هي التي تفسر قدرة المجتمع على المقاومة والحفاظ على تماسكه رغم فشل الدولة.
  • السمات المُعوِّقة (التحديات): في المقابل، تمتلك الشخصية السودانية سمات تعيق بناء دولة المؤسسات والقانون بصورة مباشرة. فسمات مثل “القدرية السلبية” التي تُجرّد الفرد من الشعور بالمسؤولية، و”غياب التخطيط” الذي يتعارض مع متطلبات الدولة الحديثة، و”التمرد الفطري على النظام والقوانين”، تُقوّض بشكل مباشر ثقافة سيادة القانون والمؤسسية. ويضاف إلى ذلك التأثير السلبي لقيم مثل “عزة النفس” التي تحد من تبنّي المناهج الحديثة، والتعصب للمعرفة الذاتية ومقاومة كل جديد. وترتبط هذه السمات بمفهوم “الشخصية المهدرة”، الذي يشير إلى إهمال القدرات والطاقات الكامنة وعدم استثمارها بكفاءة لتحقيق الأهداف.
    تجليات الشخصية في الفكر التخطيطي: القطاع الزراعي كدراسة حالة:
    ترتبط سمات الشخصية الوطنية ارتباطاً وثيقاً بنماذج التخطيط التنموي. فالنموذج الفكري السائد لدى النخب الزراعية، والمتمثل في “التفكير الخطي التقليدي”، ليس مجرد منهجية فنية، بل هو انعكاس لسمات متأصلة كالـ “العشوائية وغياب التخطيط”. هذا الفكر، الذي يميل لتفضيل الحلول الهندسية الضخمة والبسيطة ظاهرياً، هو الملجأ المريح لعقلية تجد صعوبة في التعامل مع التعقيد المنهجي طويل الأمد؛ فبناء سد أسهل فكرياً من تأسيس منظومة علاقات مستدامة بين المزارعين والأسواق. علاوة على ذلك، تغذي الانقسامات التاريخية والمركزية التي فرضها الاستعمار بشكل مباشر نمط “الاعتماد على المسار” (Path-dependency). يجسد هذا النمط، الذي تقيّد فيه القرارات السابقة الخيارات المستقبلية، سمة “الشخصية المشتتة”؛ حيث تكون ولاءات النخبة للمركز القائم (الذي يضم السلطة والبنية التحتية) أقوى من ولائها للوطن ككل، مما يؤدي إلى تركيز متكرر للاستثمارات في المناطق التاريخية المهمة على حساب إهمال ممنهج للأطراف. يظهر التأثير الأبرز لهذه المعوقات بوضوح في منهج التفكير الخطي الذي أوضحناه في مقال من جزئين بعنوان (التخطيط الزراعي من أجل السلام في السودان – طرق تفكير النخب المهنية في التخطيط للقطاع الزراعي).

سيطرة التفكير القبلي
يُعد “التفكير القبلي” تجلياً بارزاً لمنهج التفكير الخطي، حيث تُعامل القطاعات المهنية ككيانات منعزلة ومغلقة ومتنافسة، بدلاً من اعتبارها أجزاءً مترابطة ضمن نظام واحد. يتجسد هذا المنهج بوضوح في مثال “المؤتمر الزراعي الشامل” الذي عُقد خلال الفترة الانتقالية. ورغم أن الإطار المفاهيمي للمؤتمر دعا صراحة إلى ضرورة إشراك جميع أصحاب المصلحة في القطاع الزراعي في مراحل التخطيط، إلا أن الممارسة الفعلية أظهرت تناقضاً صارخاً. فقد حصرت إدارة المؤتمر المشاركة في “قبيلة الزراعيين” فقط، والمتمثلة في المهندسين الزراعيين وإدارات وزارة الزراعة على المستويين القومي والولائي. وتم استبعاد مؤسسات حكومية أخرى ذات أهمية حيوية للقطاع، مثل قطاعات الثروة الحيوانية، والصناعة، والتجارة، والمالية. يعكس هذا الإقصاء الممنهج عقلية ترى أن القطاع الزراعي هو “حكر” على فئة مهنية محددة، مما يحول دون أي تكامل حقيقي بين القطاعات ويعزز التخطيط المنعزل وغير الفعال. يؤكد هذا المثال العملي أن التخطيط لا يقتصر فشله على تصميمه الخطي فحسب، بل يُقوَّض أيضاً في الممارسة اليومية بفعل عقلية مؤسسية قبلية تعيق فرص التكامل والتنفيذ الفعال.

راجع مقالنا (التخطيط الزراعي من أجل السلام في السودان – طرق تفكير النخب المهنية في التخطيط للقطاع الزراعي).

من فهم التعقيد إلى بناء المستقبل
يُظهر هذا التحليل أن سمات الشخصية السودانية نسيج معقد من الثنائيات، وينعكس هذا التعقيد مباشرة في أنماط التفكير التخطيطي لدى النخب المهنية. إن تكرار الإخفاق في القطاع الزراعي ليس سوى عرض لمشكلة أعمق تتعلق بالمنهجية الفكرية الخطية التي تركز على “عناصر منفصلة” وتتجاهل الطبيعة المترابطة للأنظمة الحية.

الدرس المستفاد هنا هو أن هذا النمط التخطيطي ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الحتمية لنموذج فكري قاصر أثبت فشله. إنه نموذج يبني نظاماً زراعياً وطنياً “هشاً وغير متوازن”، مما يستدعي تبني فلسفة جديدة للتنمية: الانتقال من هندسة “الأصول المادية المنفصلة” إلى هندسة “العلاقات الإنسانية والبيئية المنتجة” التي تشكل أساس أي نظام حيوي ومستدام.

نختتم بهذا المقال التاسع سلسلة المقالات التي تستهدف تحليل واقع القطاع الزراعي في السودان. وفي المقالات القادمة، سنطرح رؤيتنا لنموذج التحول الزراعي من أجل تنمية هذا القطاع وتحقيق السلام في السودان.

إرسال التعليق

لقد فاتك