سارة السعيد : تحت الرماد |إعادة تشكّل السودان عبر الممرّ الشرقي: قراءة في مرحلة ما بعد الدولة
يُختَزَل الصراع السوداني عادةً في مواجهته الثنائية بين تشكيلين مسلحين، بينما يغفل هذا التبسيط عن التحول البنيوي الأعمق للسودان وعديد من دول العالم وهو تلاشي وظائف الدولة وليس فقط سلطتها. فما يحدث في السودان ليس صراعاً على الحكم، بل انتقال بطيء — لكن حاسم — من الدولة كنظام مؤسسي إلى فضاء موزّع تتشكل فيه القوة حول التدفقات الاقتصادية والممرات البحرية والحدودية. وأصبح شرق السودان، لا الخرطوم، هو اليوم مركز هذا التحوّل.
بدأ هذا الانكسار عندما فقدت القوات المسلحة السودانية مكانتها الدولية بصورة رسمية وعلنية. فدعوة الأمم المتحدة للجيش بالاعتراف باستخدام أسلحة كيميائية لم تكن مجرد خطوة ضغط دبلوماسي؛ بل كانت إعلانًا عملياً عن سحب الشرعية. ترافق ذلك مع عقوبات أمريكية متصاعدة وخطاب دفاعي متشنج من البرهان في صحيفة وول ستريت جورنال. كشف المشهد عجزاً استراتيجياً فجاً داخل القيادة العسكرية ، وأظهر أن سلطة بورتسودان باتت جسماً شكلياً يستمر بالقصور الذاتي، منفصلاً عن شروط الفعل السياسي الحقيقي. حيث لم يعد تفكك الدولة احتمالاً؛ بل أصبح واقعاً يتقدم عبر تفريغ ممنهج للوظائف الأساسية.
وفي ظل هذا الفراغ، تحوّل شرق السودان إلى نقطة الاختبار الأكثر حساسية. فهناك تتآكل المؤسسات، وتتفكك البنى الاقتصادية المحلية، وتفقد الأجهزة الأمنية قدرتها على الفرض أو التفاوض. وجرت العادة في الأنظمة المنهكة ذات البنى المعقّدة، ان لا يستمر الفراغ طويلاً: فالقوى الأكثر مرونة — لا الأكثر تسليحاً — تملأه.
ضمن هذا المنطق، تظهر قوات الدعم السريع كفاعل قادر على تقديم نمط حكم بديل. لا تستند قوتها في السلاح فحسب، بل في ايضاً في قدرتها على العمل كنظام شبكي يتجاوز مركزية الدولة. فقوات الدعم السريع اليوم تربط طرق التجارة، وشبكات الذهب، والقبائل، والممرات الحدودية ضمن منظومة تدفقات وظيفية. وهذا بدورة لا ينتج سلطة مركزية، بل “سيادة موزّعة” تُمارس عبر التحكم في الحركة والاتصالات اللوجستية، لا عبر الوزارات. وفي سياق تعطلت فيه قدرة الدولة على تنظيم هذه التدفقات، يصبح هذا النموذج الأكثر قابلية للعمل.
فكل التحولات الإقليمية تدعم هذا الاتجاه. مصر، التي كانت تاريخياً ضامن السودان الأمني، غارقة اليوم في معادلة معقّدة: طموح إثيوبيا البحري، الضغوط الأمريكية على الجيش المصري، وأزمة اقتصادية تعيق أي تدخل مباشر. لذلك ستتحرك القاهرة بمنطق كبح الخسائر عبر وكلاء محليين بدل الانخراط الميداني. إثيوبيا، الساعية للوصول إلى البحر، تفضّل شرقاً ضعيفاً يُقيد النفوذ المصري.
أمّا الخليج، فيتجه نحو البراغماتية المحضة. فالسعودية تريد ممراً بحرياً مستقراً، لا حكومة عاجزة. أما الإمارات، التي تشتغل بمنطق الموانئ والخدمات اللوجستية، ستتعامل مع أي طرف يوفر “قابلية التشغيل”. وقطر ترى في انهيار المحور المصري–الإماراتي فرصة لإعادة ترتيب التوازنات في القرن الأفريقي. بهذا يمكن القول ان فكرة حماية بورتسودان كـ«حكومة» لم تعد أولوية لأحد.
النتيجة المرجّحة ليست معركة فاصلة، بل إعادة تشكّل تدريجية ومتعددة الطبقات. سيجري ذلك عبر مفاوضات محلية، إعادة تموضع اقتصادي، وتوسّع أمني محسوب. ستتفكك السلطة القديمة سياسياً قبل أن تنهار عسكرياً، وسيتعامل المجتمع الدولي مع ذلك باعتباره تطوراً بنيوياً لا خللاً يمكن تصحيحه.
بهذا المعنى يمكن القول ان السودان شكّل نموذجاً مبكراً لنمط جديد من التحولات العالمية: فالدول لا تسقط عبر الانقلابات فقط، بل عبر فقدان قدرتها على إدارة شبكاتها الداخلية، وترك الممرات الاقتصادية واللوجستية بلا حراسة تنظيمية مما يشكل فراغ لن تملؤه دولة جديدة، بل طبقات متداخلة من النفوذ المحلي والإقليمي، تتوزع فيها القوة بحسب القدرة على التحكم في التدفقات، لا بأسماء الوزارات.
يتجاوز هذا الأمر حدود السودان. فالشرق السوداني أصبح بوابة لإعادة تشكيل توازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي والشرق الأوسط معاً. ومع تراجع قدرة النظام الدولي على إعادة بناء الدول المنهارة، يصبح الخيار الواقعي هو إدارة الانهيار بدل احتوائه. وما نراه في السودان اليوم — سيادة عبر الممرات بدلاً من العاصمة، وعبر الموانئ بدل الوزارات — هي ملامح مبكرة لمرحلة عالمية تقترب.
تحت الرماد: يدخل السودان اليوم رسمياً مرحلة ما بعد الدولة. وسيحدد الشرق شكل البنية التي ستنشأ لاحقاً. النظام الدولي ذاته، المرهق بنيوياً، لن يقاوم التحول بل سيتكيّف معه. ففي عالم تحكمه التدفقات أكثر مما تحكمه العواصم، يصبح الفاعل الأقوى هو من يستطيع إعادة تنظيم حركة السلع والمعادن والبيانات. ذلك هو المنطق الذي يعيد تشكيل السودان الآن — ولن يتراجع.
إرسال التعليق