محمد سفاين : حين يهتف دعاة الديمقراطية للطغاة: مأزق الوعي السياسي السوداني.
في مشهد سوداني يزداد عبثًا، باتت المفارقة السياسية قاعدة لا استثناء — حين يصبح الهتاف للطغاة تعبيرًا عن “الواقعية السياسية”، يدرك المرء أننا أمام أزمة وعي لا أزمة مواقف.
في بلد تتناسل فيه الأزمات أسرع مما تتبدّد، تحوّلت السياسة السودانية إلى مسرحٍ كبير للمفارقات.
من شعارات “التحول الديمقراطي” إلى واقع “التحالف مع السلطوية”، تتجلّى واحدة من أعمق أزمات الوعي السياسي: انفصال الخطاب عن الممارسة، وانعدام البوصلة الأخلاقية، واعتبار “الواقعية” مبررًا لكل تناقض.
لم يعد هذا الانفصام مجرد زلّة لسان أو سوء تقدير، بل أصبح نهجًا لإدارة العلاقات والمصالح.
ومشهد ما يسمى برئيس وزراء بورتسودان ، الدكتور كامل إدريس، وهو يهتف في شوارع أسمرا:
“عاش الرئيس إسياس!”
هو ليس مجرد لقطـة عابرة، بل تلخيص فاضح لتحوّلٍ خطير في الثقافة السياسية السودانية —
ثقافة تخلط بين الدبلوماسية والتطبيل، وبين البراغماتية والانتهازية، وبين “الواقعية” و”الولاء الأعمى للسلطة”.
جوهر المفارقة:
بدا المشهد أشبه بكوميديا سياسية سوداء.
رجلٌ أمضى حياته في أروقة الأمم المتحدة يتحدث عن الشفافية والحوكمة،
ثم يهتف بحماسٍ لرئيسٍ لم يسمح حتى لصدى الحرية أن يمرّ من سماء بلاده.
رئيسٌ حكم إريتريا منذ ثلاثة عقود بلا برلمان، بلا دستور، بلا صحافة حرة، وبلا معارضة حقيقية.
إنها ليست سذاجة سياسية، بل أزمة إدراك جماعية،
إذ يظن بعض النخب أن الديمقراطية يمكن أن تبدأ من بوابات الطغاة،
وأن الحرية تُستورد من عواصمٍ تُدار بالحديد والنار.
كيف يمكن لمن يرفع شعار الحرية والسلام والعدالة أن يهتف باسم من صادرها؟
وكيف لمن يتحدث عن السيادة الوطنية أن يطلبها عند أعتاب الأنظمة القمعية؟
بلاد المفارقات:
لقد غدت بلادنا بارعة في إنتاج التناقضات أكثر من إنتاج الحلول.
فيها من يتحدث عن الديمقراطية صباحًا ويحتفي بالاستبداد مساءً،
ومن يلعن القمع في العلن ويعقد تحالفاته في السر مع رموزه.
يا للسخرية!
حتى النفاق عندنا صار سياسة خارجية معتمدة،
وكأننا نُصدّر ازدواجية الخطاب كما نُصدّر الصمغ العربي.
خاتمة:
في نهاية المطاف، ليست مأساة السودان في قسوته فقط، بل في سخريته من نفسه.
نخبة تُنادي بالحرية وتهتف للطغاة،
وتلعن الدكتاتورية ثم تتسابق إلى عتباتها.
سياسيين احترفو إنتاج المفارقات حتى غدت الكوميديا السياسية جزءًا من واقعها اليومي.



إرسال التعليق