احمد السميح يكتب : النيل الأزرق: الصراع المنسي - صوت الوحدة

احمد السميح يكتب : النيل الأزرق: الصراع المنسي

منذ انفصال جنوب السودان أصبحت ولاية النيل الأزرق تمثّل الجنوب الجديد في الخريطة السياسية السودانية. تقع هذه الولاية المتنوعة عرقيًا وثقافيًا على مفترق طرق حدودية مع إثيوبيا وجنوب السودان وتُعدّ ساحةً خصبة للتداخلات المحلية والإقليمية. ورغم غناها البيئي والزراعي وموقعها الاستراتيجي إلا أنها تحوّلت إلى واحدة من أكثر مناطق السودان توترًا وصراعًا وتهميشًا.

ولاية النيل الأزرق ليست مجرد موقع جغرافي بل هي ذاكرة تاريخية ممتدة، إذ كانت مهد سلطنة الفونج التي تأسست بتحالف بين عبد الله جماع وعمارة دنقس على أنقاض مملكة علوة المسيحية وكانت عاصمتها سنار لا الدمازين. غير أن هذه المركزية الحضارية تلاشت مع تشكّل الدولة المركزية الحديثة التي شرعت في بسط سيطرتها على الموارد والمشاريع الكبرى في الإقليم دون إشراك حقيقي للسكان.

تضم الولاية تضاريس متنوعة من السهول الفيضية والتلال والغابات إلى مناطق السافنا الفقيرة وتتمتع بمناخ مداري شبه رطب وطول موسم الأمطار. تشكّل الزراعة المطرية والمروية عماد الاقتصاد المحلي وتنتج الولاية أكثر من 50٪ من الإنتاج الزراعي القومي بالإضافة إلى نشاطات الرعي الصيد والتعدين فضلًا عن توليد الطاقة من سد الروصيرص.

لكن رغم هذا الغنى ظلت سياسات المركز تستولي على المشاريع الزراعية وتوزّعها على أسر نافذة من خارج الإقليم مثل آل المهدي كمال جار النبي سوار الدهب، جعفر نميري الشيخ مصطفى الأمين إضافة إلى شركات عربية وأجنبية دون اعتبار لأبناء المنطقة.

في ظل تزايد التهميش تأسس اتحاد الفونج كائتلاف طلابي سياسي للدفاع عن حقوق سكان النيل الأزرق. ورغم أنه لم يشمل جميع مكونات الولاية بل ركز على القبائل الأصيلة بحسب أدبياته إلا أنه عبّر عن رفض جماعي للتهميش والإقصاء الثقافي خاصة في ظل محاولات فرض الهوية النوبية العربية.

تزامن هذا مع توسع الحركة الشعبية لتحرير السودان نحو الإقليم خاصة بعد دعم إثيوبي مباشر فتحالفت مع اتحاد الفونج واستطاعت عام 1987 تحرير مدينة الكرمك من يد الحكومة المركزية. لاحقًا عُيّن مالك عقار قائدًا عسكريًا للمنطقة بينما اتجهت الحكومة إلى تجنيد بقية المكونات في الدفاع الشعبي خصوصًا من قبيلة رفاعة باستخدام خطاب ديني يصف الصراع بأنه جهاد ضد الكفار

شهدت هذه الفترة مواجهات دموية تخللتها حملات تجنيد قسري تعبئة مذهبية ونزوح واسع حيث فُرضت رؤية الدولة من خلال القتال لا من خلال الشراكة مما عمّق الانقسام الأهلي وأنتج أزمة تعايش ما زالت مستمرة حتى اليوم.

رغم توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 لم تحظَ ولاية النيل الأزرق بما كانت تأمله. فعلى عكس الجنوب لم يُمنح الإقليم وضعًا انتقاليًا يعكس تضحياته ولم تُنفذ آليات واضحة لتقاسم السلطة أو مراجعة المشاريع التنموية.

في عام 2007، تم تعيين مالك عقار واليًا للولاية خلفًا لعبد الرحمن أبو مدين وسط آمال بإعادة الاعتبار للمنطقة. ومع انتخابات أبريل 2010 تصاعدت حدة التوتر بسبب التلاعب بصناديق الاقتراع قبل أن تضطر الحكومة للاعتراف بفوز عقار. شهدت الولاية مشاورات شعبية واسعة شاركت فيها النساء بنسبة 45٪ من 70 ألف مشارك في 112 جلسة استماع ناقشت قضايا الأرض الحكم والعدالة.

لكن هذا الحراك لم يدم طويلًا بسبب الانقسام المتجدد في جنوب كردفان بين الحكومة والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو والذي أدى إلى انهيار التنسيق الأمني. رفضت الحكومة سحب قوات عقار من الدمازين وفقًا للترتيبات الأمنية وفتحت المعسكرات استعدادًا للمواجهة ثم نصبت كمينًا لموكب العميد سليمان عبد الرحمن مما أدى إلى اشتباكات دامية داخل المدينة.

في 1 سبتمبر 2011 بدأ الجيش السوداني هجومًا واسعًا على النيل الأزرق، مستهدفًا مواقع الحركة الشعبية في الكرمك دندرو، أولو باو ودابوك. أظهرت صور الأقمار الصناعية استخدام سياسة الأرض المحروقة وتحدثت تقارير عن عمليات إعدام ميدانية 17 عنصرًا من منسوبي الحركة خصوصًا في باو وأولو.

لم تفلح الضربات الجوية والبرية في القضاء على التمرد فورًا إذ انسحبت القوات إلى ديم منصور ويابوس مع تصعيد في القتال من الطرفين. لكن القصف خلّف أثرًا نفسيًا عميقًا وأدى إلى موجة نزوح كبيرة أكثر من 121 ألف لاجئ إلى جنوب السودان و23 ألفًا إلى إثيوبيا فيما استقر آخرون في مخيمات داخلية.

رغم استمرار القصف على فترات متقطعة شهدت النيل الأزرق هدوءًا نسبيًا في السنوات التالية. لكن هذا الهدوء كان مضللاً إذ بدأت الخلافات تظهر داخل الحركة الشعبية نفسها خاصة بعد إعدام مالك عقار لأحد قيادات جناحه بندر مما أدى إلى انقسام تنظيمي بينه وبين أحمد العمدة، أحد أبرز القيادات الميدانية في الولاية.

في يوليو 2022 انفجر صراع قبلي بين الفونج والهوسا بدأ بمواجهات محلية وسرعان ما تحوّل إلى اقتتال واسع أودى بحياة أكثر من 300 شخص، وشرد أكثر من 17 ألفًا.

ظهر المك أبو شوتال في مقطع فيديو ينفي اتهامه بتسليح الفونج معلنًا مقتل ابنه فيما انتشرت روايات عن حرق نساء وأطفال. لأول مرة تسللت الأسلحة النارية إلى نزاع أهلي محلي وسط تحشيد قبلي مكثف وتدخلات غير معلومة المصدر.

استدعت الحكومة لجنة مصالحات شارك فيها قادة من شمال وغرب السودان وأشرف عبد الرحيم دقلو على اتفاق مبدئي شمل رفاعة وكنانة غير أن أبو شوتال طالب بإشراك جميع المكونات ما فجّر الخلاف مجددًا داخل الحركة الشعبية بين عقار وأحمد العمدة من جهة، والمك من جهة أخرى.

مع اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في 15 أبريل 2023 كانت النيل الأزرق على موعد مع فصل جديد من الدم. انخرط عبد الرحمن البيشي والمك أبو شوتال في صفوف الدعم السريع وهو ما ردت عليه القوات الحكومية بمداهمات واغتيالات وتصفيات طالت أبناء رفاعة والفونج.

تمت تصفية 12 شابًا من رفاعة في قلي ثم أُحرقت منازلهم في ورورو الدالي المزموم وبوط بما في ذلك منزل أسرة البيشي. كما تم استهداف الهوسا بطريقة مشابهة على يد قوات عقار والعمدة الذين أعادوا تفعيل استراتيجية التصنيف القبلي كسلاح سياسي وعسكري.

قصة النيل الأزرق ليست سوى صورة مكثفة لفشل الدولة السودانية في بناء شراكة وطنية. من سلطنة الفونج إلى قصف الكرمك ومن مشاورات النساء إلى تصفيات الهويات تسير الولاية في خط مستقيم من التهميش إلى الانفجار.

بين طموحات أهاليها في التمثيل وتدخلات المركز واصطفافات المكونات المحلية وجشع الخارج تظل النيل الأزرق بقعة حساسة لا يمكن تجاهلها. النسيان في هذه الحالة ليس فقط ظلمًا بل وصفة جاهزة لانفجار أكبر.

إرسال التعليق

لقد فاتك