​مليح يعقوب : السودان: من استحقاق التفكيك إلى إعادة التأسيس الوطني - صوت الوحدة

​مليح يعقوب : السودان: من استحقاق التفكيك إلى إعادة التأسيس الوطني

​يأتي التوجه الدولي نحو تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي ليضع الإصبع على جرحٍ غائر في جسد الدولة السودانية. فالأزمة الراهنة ليست مجرد خلافات سياسية أو عسكرية عابرة، بل هي نتاج “مشروع أيديولوجي” عمد إلى اختطاف مفاصل الدولة وتوظيفها لخدمة أجندة تنظيمية ضيقة. إن هذه الخطوة لا تعد مجرد إجراء قانوني، بل تصحيح استراتيجي لمسار دولي لطالما تغاضى عن تغلغل هذا التنظيم الذي كان المحرك الأساسي لتقويض حلم الديمقراطية وتهديد السلم الأهلي، وصولاً إلى واقع التمزق الراهن.
​إن قراءة المشهد السوداني تستوجب مواجهة “أزمة الجيش”؛ فالتاريخ الحديث يثبت أن المؤسسة العسكرية، بهياكلها التي أفسدها “التمكين”، ظلت المعرقل الأكبر للتحول المدني. لقد تحولت المؤسسة من حامٍ للدستور إلى طرف أصيل في الصراع بين المركز والهامش، وانشغلت باحتكار السلطة على حساب مهامها الوطنية. وقد كشفت الحرب الحالية عن هذا الانكشاف المؤسسي، حيث وثقت تقارير انتهاكات جسيمة طالت المدنيين في الجزيرة والخرطوم ودارفور وكردفان. وفي حين يُنظر إلى استثناء المجتمع الدولي للجيش من تصنيف “الإرهاب” كقرار تكتيكي لمنحه فرصة أخيرة للانخراط في السلام، إلا أن استمرار الارتهان للأجندة الأيديولوجية يعني انتحاراً سياسياً محققاً.
​اليوم، يقف الجيش أمام منعطف وجودي يتطلب عملية جراحية شاملة تتضمن:
​التطهير الهيكلي: تنقية القوات المسلحة من العناصر العقائدية التي حولت المؤسسة إلى ذراع سياسي.
​فك الارتباط: إنهاء كافة التحالفات العسكرية خارج مظلة الدولة، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات الحقوقية.
​تأسيس جيش مهني جديد: لقد فقدت المؤسسة العسكرية شرعيتها الوطنية، ولم تعد تمثل مظلة حماية لجميع الأقاليم. لذا، فإن الضرورة الوطنية تقتضي بناء جيش جديد بعقيدة دستورية، قوامه دمج القوات المسلحة، والدعم السريع، والحركات المسلحة في بوتقة واحدة، بحيث لا تشكل أي من المكونات الحالية نواته المنفردة.
​القوى المدنية: صمام أمان التحول
إن تغيير هيكل الجيش شرطٌ لازم لكنه غير كافٍ؛ فاستدامة الديمقراطية تتطلب قوى مدنية جامعة وممثلة لكل الأطراف، واعية بدورها كضامن للعملية الانتقالية. يتوجب على هذه القوى صياغة “عقد اجتماعي جديد” يعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة، متجاوزاً الانتماءات الأيديولوجية والجهوية، وواضعاً أسس الدولة الفيدرالية التي تحترم التنوع الثقافي وترتكز على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
​خاتمة: رؤية لإنقاذ الوطن
إن غاية التحول الوطني في السودان يجب أن تتحرر من عقلية “تداول السلطة” إلى منطق “إعادة التأسيس” من الجذور. إن السودان لا يحتاج إلى ترميم ما تهدم، بل إلى مشروع وطني جامع يتخلص نهائياً من إرث التمكين، ويضع استقرار البلاد وتنوع شعبها فوق أي اعتبار. إن طريق الخروج من نفق الأزمات المظلم يبدأ بالإيمان بأن الدولة ملك للجميع، وأن قوتها الحقيقية تكمن في ديمقراطيتها، لا في بنادقها.

إرسال التعليق

لقد فاتك