مليح يعقوب : الفيدرالية الثقافية: المخرج التاريخي لإدارة التنوع وتأسيس “السودان الجديد”
تُعد الفيدرالية الثقافية آلية جوهرية لإدارة التنوع، وهي من أكثر المفاهيم السياسية ملاءمةً للدول ذات التعددية الإثنية والدينية واللغوية المركبة كالسودان. ترتكز هذه الفيدرالية على اعتبار التنوع الثقافي ركيزةً أساسية للمواطنة، إذ تمنح المجموعات الحق في إدارة شؤونها الثقافية والتعليمية والدينية، بمعزل عن النطاق الجغرافي الذي يقطنه أفرادها. لقد أثبت هذا النموذج فاعليته في دول استوعبت تعقيدات تركيبتها المجتمعية، وتجاوزت عبره مرارة الصراعات الهوياتية المزمنة، محولةً التباين من فتيل للانفجار إلى وقود للبناء.
الإخفاق التاريخي وعقدة المركزية
يمثل السودان “قارةً مصغرة” تحتضن أكثر من 413 مكوناً قبلياً ومئات اللغات الحية، إلا أن الإخفاق التاريخي للحكومات المتعاقبة يكمن في عجزها عن صياغة عقد اجتماعي يستوعب هذا الثراء. لقد استند مشروع الدولة منذ الاستقلال في جوهره على محاولة قسرية لصهر التعدد في قالب أحادي “مركزي”، مما ولّد شعوراً حاداً بالتهميش والاحتقان، أدى في نهاية المطاف إلى اشتعال حروبٍ مزقت نسيج البلاد. إن هذا المشروع الثقافي الإقصائي قد انتهى عملياً، وأي محاولة لإعادة إنتاجه تعني تفكيك ما تبقى من السودان، تماماً كما حدث في تجربة انفصال الجنوب المريرة التي كانت صرخة احتجاج ضد “الإنكار الثقافي”.
من “بوتقة الصهر” إلى “لوحة الفسيفساء”
تعتبر الفيدرالية الثقافية البديل العلمي لمفهوم “بوتقة الانصهار” (Melting Pot) الذي سعت الأنظمة الشمولية لفرضه عبر قهر المكونات وصهرها في قالب واحد. في المقابل، يطرح نموذج “طبق السلطة” أو “الفسيفساء” رؤيةً تحافظ على خصائص كل مكون داخل إناء وطني واحد، محققاً شعار “الوحدة في إطار التنوع” بعيداً عن القسر الثقافي.
وبينما ينصب تركيز النخب السياسية عادةً على تقاسم السلطة والثروة (الفيدرالية السياسية والمالية)، يغفل الكثيرون عن “الفيدرالية الثقافية” التي تمثل القاسم المشترك المتجاوز للحدود الإدارية. فهي توفر مساحةً لكل مجموعة لممارسة خصوصيتها الثقافية أينما وجد أفرادها، خاصة في الحواضر الكبرى (مثل الخرطوم ومدني والابيض ونيالا والدمازين وبورتسودان) التي تتداخل فيها الأعراق، مما يقطع الطريق أمام نزعات الانفصال ويؤسس لدولة قائمة على الرضا والاعتراف المتبادل، وليس الهيمنة.
التنوع كأصل وطني لا عائق بنيوي
إن هذا التوجه لا يصطدم مع المرجعيات الروحية للسودانيين، بل يستمد منها شرعيته؛ فالدين الإسلامي يؤصل للتنوع كقيمة إلهية: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”. التحدي الحقيقي يكمن في استعادة إسلام التسامح والتعايش في مواجهة “أدلجة الدين” التي استُخدمت كأداة للإقصاء. بهذا المعنى، تصبح الفيدرالية الثقافية درع حماية للقيم السودانية الأصيلة، وضمانة لتعزيز حقوق الأقليات وحمايتها من “سطوة الأغلبية”، وترسيخ مفهوم الاعتراف بالآخر كشريك كامل في الوطن.
نحو عقد اجتماعي جديد: خارطة طريق
إن الانتقال بالسودان من حالة الاحتراب والتشظي إلى الاستقرار يتطلب خطوات عملية جريئة تبدأ بتفكيك المركزية الثقافية القابضة، وذلك عبر:
إصلاح المناهج التعليمية: للانتقال من المنهج الأحادي إلى منهج متعدد يعكس وجوه السودان الكثيرة، ويحترم اللغات المحلية والتراث الشعبي الذي يمثل ذاكرة الأمة.
دسترة الحقوق الثقافية: بحيث لا يرتبط الحق في الهوية واللغة والاعتقاد بالبقعة الجغرافية أو الإقليم، بل بكونه حقاً مواطنياً أصيلاً يُحمل في “حقيبة” المواطن أينما حل وارتحل.
الاعتراف المتبادل: كجسر لبناء انتماءٍ طوعي، يحول الدولة في نظر مواطنها من “جهاز قمعي” يسعى لمحو كيانه، إلى “مظلة آمنة” ترعى وجوده.
إن الفيدرالية الثقافية هي الميثاق الذي سيحول التنوع من “عبء أمني” إلى “رصيد حضاري”، وهي الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الكامل وتأسيس دولة “الوحدة المتعددة” التي تسع الجميع.



إرسال التعليق