مليح يعقوب : الكيزان واستراتيجية “تبديل الجلود”: صراع البقاء في وجه الضغوط الدولية
يغدو استقراء أثر الموقف الأمريكي المتشدد تجاه تنظيم “الإخوان” ضرورة ملحة لفهم مآلات الحرب في السودان؛ فالمرحلة القادمة لا تحتمل إغفال أي سيناريو، خاصة فيما يتعلق بكيفية توظيف هذه التحولات الدولية لصالح مشروع “تأسيس الدولة”، ووضع الاحترازات الكفيلة بتجنيب البلاد منزلق “الصوملة” الشاملة.
من المرجح أن يدخل السودان نفقاً جديداً في صراعه ضد بنية النظام القديم بمجرد ملامسة العقوبات الأمريكية لأرض الواقع؛ وهي مرحلة “حرب الواجهات والأذرع الخفية”. وبينما يسود تفاؤل حذر لدى البعض بأن تصنيف التنظيم ككيان إرهابي سيجعل فك ارتباط الجيش عنهم أمراً “قاب قوسين أو أدنى”، إلا أن القراءة العميقة تشير إلى خلاف ذلك؛ فالحرب قد تمتد وتأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً إذا لم تدرك القوى المدنية وحلفاء التأسيس أن المؤسسة العسكرية، بوضعها الراهن، ليست مجرد حليف للتنظيم، بل هي العمود الفقري لوجوده؛ حيث تماهت المصالح لدرجة الاندماج الوجودي، فأضحى أحدهما لا يستقيم بنيانه دون الآخر.
لقد استحال الجيش، عبر عقود من التمكين، إلى هيكل سياسي وعسكري بامتياز، يتبنى عقيدة قتالية موجهة نحو “الداخل” لا “الخارج”، ومستعد للتفريط في السيادة والحدود في سبيل الاحتكار المطلق للسلطة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الإيمان بأن هذا الهيكل بتركيبته الحالية “فاقد للأهلية الوطنية” هو المبتدأ والخبر؛ لذا فإن “إعادة التأسيس” ليست مجرد شعار عابر، بل ضرورة حتمية لإنهاء متوالية الانقلابات التي استنزفت القوى السياسية واستخدمتها كقطع غيار لتمرير أجندة البقاء والتمكين.
إن المعركة الحقيقية الآن ترتبط بمدى قدرة الفواعل الدولية على تحييد المحاور الإقليمية الداعمة للنظام القديم، ومدى قدرة “قوى التأسيس” على تقديم مشروع سياسي يتجاوز “التنظير” إلى “الواقع المعاش”. يجب ألا نكرر أخطاء التجارب السابقة التي رفعت شعار “الفيدرالية” وانتهت بمركزية مفرطة؛ فاستحقاق التغيير يتطلب نموذجاً حقيقياً للحكم اللامركزي، يلمس المواطن أثره في أمنه، ومعاشه، وكرامته، كضمانة لعدم عودة “الشمولية” من الأبواب الخلفية.
ختاماً، نحن أمام موجة كبرى من “الخداع الحركي”؛ فالحرباء الإسلاموية، بعد تضييق الخناق الدولي عليها، بدأت بالفعل في تغيير جلدها. سنرى “كتيبة البراء” وأخواتها يتوارون خلف مسميات جديدة، وسنسمع قادة يتبرأون من “المؤتمر الوطني” لإرباك القرار الدولي وتضليل الرأي العام. إن وعي الشعب السوداني بخبث هذه الأساليب هو حائط الصد الأول، لكن يظل التحدي الأكبر هو تعرية هذه “الأذرع الخفية” أمام العالم قبل أن تعيد إنتاج نفسها تحت لافتات “الوطنية الزائفة”. لقد أعلنوا شعارهم صراحة: “لن نسلّمها إلّا لإبليس” أو “نسلّمها لكم خرابة”، ومهمتنا التاريخية اليوم هي حماية ما تبقى من حطام الوطن لنبني فوقه دولة على أساس وطني لا حزبي، وجمهورية للمواطنة لا للتمكين.



إرسال التعليق