​مليح يعقوب : جنوب كردفان: جيولوجيا النضال وسيمفونية التعايش المشترك - صوت الوحدة

​مليح يعقوب : جنوب كردفان: جيولوجيا النضال وسيمفونية التعايش المشترك

​ مليح يعقوب حماد

​تُعدُّ جنوب كردفان مستودعاً للوجدان القومي، ومسرحاً لملاحم الصمود؛ فالتنوع الإثني فيها لم يكن يوماً ثغرة للشتات، بل كان الصخرة الصلدة التي تحطمت عليها مطامع الاستعمار وأدوات الاستبداد. لقد سطر تاريخ المنطقة صفحات خالدة جسدت وحدة المصير؛ حيث برزت ثورة “الفكي علي الميراوي” في كادقلي كمنارة للرفض، تلاقت في نبلها مع الصمود الأسطوري للسلطان “عجبنا” ورفيقته في النضال الأميرة “مندي” في الجبال الستة بالدلنج.
​لم تكن هذه الثورات معزولة عن محيطها الاجتماعي، بل شهدت تلاحماً عضويًا فريداً؛ إذ هبّت مكونات “البقارة” —لاسيما قبائل الحوازمة والمسيرية— بقيادة زعماء وطنيين كالناظر “أسوسا” والناظر “بابو نمر”، لنصرة قضية الأرض والهوية في خندق واحد ضد المحتل. وتبرز هنا “ثورة السنجكاية” كصرخة وطنية منظمة رائدة، لا تزال تقاوم محاولات التغييب خلف المتون التاريخية الرسمية.
​وفي امتداد طبيعي لهذا الإرث، تفجرت ثورة القائد “يوسف كوة مكي” ضد سياسات الإقصاء، كمشروع نهضوي لإعادة تعريف الهوية السودانية على أسس العدالة. وقد تجلى نضجه السياسي في تحويل مظالم “الجبال” إلى قضية وطنية شاملة، ممهداً الطريق للرفيق عبد العزيز الحلو للانخراط في تحالفات عريضة، كـ “تحالف تأسيس السودان” الذي يُعد أضخم مائدة مستديرة في تاريخنا الحديث. إن هذا المسار يبرهن على أن قضايا التهميش في جنوب كردفان هي “المفتاح الذهبي” لحل الأزمة السودانية، وأن “رؤية السودان الجديد” هي الجوهر الذي تأسس عليه هذا الوعي التاريخي المتراكم.

​التمازج الاجتماعي: الدستور غير المكتوب
​لطالما كانت جنوب كردفان أنموذجاً للتعدد؛ حيث لعبت “الإدارة الأهلية” دور الصمام الحكيم الذي ينظم العلاقة بين الرعاة والمزارعين، ويضبط حركة “المسارات والمراتع”. ورغم محاولات الدولة المركزية تسييس القبيلة وتوظيف الهوية في النزاعات، إلا أن “القواسم المشتركة” ظلت عصية على الانكسار.
​لقد تساكنت في رحابها مئات المكونات وتصاهرت حتى ذابت الفوارق؛ فأصبحت العربية بلكناتها المحلية جسراً للتواصل الوجداني، وأضحى التعايش السلمي هو “الدستور غير المكتوب”. إن مجموعات البقارة، بتوغلها في أدغال المنطقة وكسرها لـ “قانون المناطق المقفولة”، خاضت تجربة تاريخية فريدة أسهمت في تشكيل الراهن السكاني المتجانس الذي نعيشه اليوم.

​موزاييك الفنون: رقصات الأرض والسماء
​يتجلى ثراء الوجدان الإنساني في المنطقة عبر “هارموني” فني يمزج بين القوة والرشاقة:
​قبائل النوبة: يجسدون الارتباط بالجذور عبر رقصات (الكرنق، الكيسا، والكمبلا)؛ وهي طقوس تعكس ثقافة الحصاد والفروسية.
​مجموعات البقارة: ينساب إيقاعهم عبر (النقارة، المردوم، والدرملي)، حيث يحاكي “المردوم” بضربات الأرجل المنتظمة حوافر الخيل وهدير الطبيعة الصاخب.
​الأبالة والغنامة: يبرز إبداعهم في رقصات (الجراري، التويا، والحسيس)، وفنون (الدلوكة، والربة، والطمبرة)، وهي ألحان تمتاز بالسرعة والقدرة الفائقة على السرد القصصي.
​فنيًا، يتجلى التوافق في دمج المقام الخماسي السوداني مع “الدوزنة” السباعية والسداسية التي يتفرد بها البقارة، مما حول التباين النغمي إلى حوار موسيقي بديع يوحد الوجدان.

​أفق الاستشراف: قاطرة التنمية في سودان الغد
​إن الدور الاقتصادي لجنوب كردفان في مرحلة ما بعد الحرب لا يقل أهمية عن دورها الثقافي؛ فهي المرشحة لتكون “دينامو التنمية” في السودان الجديد. إن الانتقال من “اقتصاد الحرب” إلى “اقتصاد السلام” يتطلب تحويل هذه الجبال والسهول إلى منصات صناعية وزراعية كبرى، تفيض باللحوم والقطن والصمغ العربي. كما أن استقرار المنطقة سيفتح الباب لاستثمارات ضخمة في التعدين والسياحة البيئية، مما يجعل من استقرارها ضرورة اقتصادية لإنعاش الخزينة العامة وتحقيق الرفاه.

​الخاتمة:
إن جنوب كردفان ليست مجرد حيز جغرافي، بل هي “مختبر اجتماعي” يثبت أن التعدد هو مصدر القوة. إن هذه القواسم التي تجسدها الفنون والتاريخ المشترك —منذ عهد عجبنا والميراوي وصولاً إلى رؤية السودان الجديد— هي الجسر نحو سلام مستدام. إن العودة إلى جذور التعايش واستلهام ملاحم الأجداد هو الطريق الأمثل لإعادة الألق لهذه المنطقة، لتظل كما كانت: مستودعاً للجمال، ومنصة للإنتاج المادي والروحي الذي يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

إرسال التعليق

لقد فاتك