بشرى عبد الرحمن : خرخرة الدبلوماسية السعودية: صراع النفوذ وأزمة الموثوقية
يستوحي هذا العنوان مفردته من العامية السودانية؛ ليجسد واقع السياسة الخارجية السعودية وتذبذبها بين منطق التحالفات واحترام المواثيق الدولية، وبين التخبط الذي وضع المملكة في خانة “الشريك غير الموثوق”. إن الناظر للمشهد يجد سياسة قائمة على “رزق اليوم باليوم”، حيث التناقض هو سيد الموقف.
بدأت المملكة حربها في اليمن تحت لافتة “استعادة الشرعية”، ولكن بعد سنوات من التحولات، لم تعد تجد شريكاً أو حليفاً يقف معها بصدق. تحولت بوصلة الأهداف، وظهرت المملكة كطرف يفتقر للنفس الطويل في الالتزام الأخلاقي تجاه الحلفاء، مما دفع الكثيرين لتجنب الانخراط معها، تماماً كالشخص الذي يفقد مصداقيته وسط مجتمعه.
لم يقتصر التخبط على الملف اليمني، بل امتد لافتعال أزمات مع دولة قطر بلا رؤية واضحة، وباستخدام أدوات إعلامية اتسمت بالسطحية. ثم انتقل المشهد إلى افتعال احتكاكات وتخرصات ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لطالما وُصفت بأنها الحليف الأقوى والأقرب. وهنا ينطبق المثل السوداني: “الما عنده خير في أهله، ما عنده خير في الناس”.
يتجلى عدم اتزان البوصلة السعودية في التعاطي مع الحرب السودانية؛ حيث التقلب في الآراء يعكس سياسة تُقاس بـ “الحالة المزاجية” لا بالاستراتيجيات الثابتة. هذا الوضع يضع دولة بحجم السعودية أمام تحدٍ وجودي: كيف يثق الآخرون بوعودكم؟ إن الاعتماد على الثروة المالية وحده لا يمنح الثقل السياسي إذا غاب احترام العهود.
عند تشريح التعاملات الخارجية الأخيرة، نجد سباقاً محموماً للسيطرة على الشرق الأوسط، نابعاً من رغبة في إثبات “الكينونة” أمام الندية الإماراتية. لسان حال هذه الدبلوماسية يقول: “أنا الكبير قولاً لا فعلاً”، حيث تأتي التدخلات في القضايا الإقليمية من باب المماحكة أو الغيرة من الجار الناجح، وهو ما يظهر جلياً في التنصل من الاتفاقات السابقة فور شعور المملكة بتفوق الطرف الآخر.



إرسال التعليق