رشا عوض : نحو "مركزة" السودان في تفكيرنا - صوت الوحدة

رشا عوض : نحو “مركزة” السودان في تفكيرنا

هناك نمط من التفكير يكاد يكون قاسما مشتركا بين كل التيارات السياسية والفكرية السودانية على اختلافها، وهو الاعتقاد ان السودان اصغر من ان يستوعب طاقتها وفعاليتها وان لديها فائض من التنظير والفعل يؤهلها للمساهمة العبقرية في حل مشاكل الامة العربية والاسلامية وتقديم نموذج للامة العربية او الاسلامية او لافريقيا بل للعالم بأسره، هذا الجنون يجب علينا إعادة النظر فيه بصورة جذرية!

نحن فشلنا فشلا ذريعا في بناء دولة توفر الحدود الدنيا من العيش الكريم لمواطنيها ، دولتنا مهددة بالانهيار والتقسيم مجددا ونحن ننتظر العالم ليتدخل وينقذنا من انفسنا! وحتى المعاتيه الذين يتحدثون عن حرب الكرامة والسيادة فان الواقع يمد لسانه لهم اذ ان المنظمات الدولية وحكومات الدول الخليجية تقدم الطعام والدواء والخيام لملايين السودانيين النازحين، دول اخرى تستضيف الملايين، وهذا معناه ان مشاكل السودان اكبر من طاقتنا وان السودان مأزوم ازمة كبيرة وعميقة يجب ان تستوعب طاقتنا القصوى في التفكير والتنظير والتنظيم والعمل والانتاج في جميع المجالات، وان لا نحشر انفنا في اي صراعات اقليمية ودولية كبيرة لان الثمن الباهظ الذي ندفعه الان من دمائنا ومواردنا وامننا احد اسبابه المهمة هو تدخلاتنا الرعناء فيما لا يعنينا وفي صراعات لا تمتلك دولتنا مؤهلات التدخل فيها!

ماذا استفاد السودان من ” المؤتمر الشعبي العربي الاسلامي” مطلع التسعينات؟ ماذا استفاد السودان من محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل حسني مبارك؟ ماذا استفاد السودان من تمويل حركة حماااس وتمرير السلاح الايراني اليها والى حزززب الله؟ ماذا استفاد السودان من الانحياز للعراق ابان غزو الكويت وماذا استفاد من الردحي ضد السعودية حينها؟ ماذا استفاد السودان من احتضان الاستثمارات الايرانية في الصناعات العسكرية وتخزين الصواريخ الايرانية ؟

“شوبار وشلاقة” طفولية وشغب ايدولوجي ارعن وكان العائد من كل ذلك هو عقوبات دولية وعزلة طويلة الامد وفقدان فرص تعاون اقتصادي وتنموي واحتلال جزء من اراضينا تحت الابتزاز (حلايب وشلاتين والفشقة)، ووضع بلادنا في عين عاصفة الصراع مع اززرائيل وهذا صراع مكلف جدا ، دفعنا ثمنا كبيرا من تكلفته وما زال امامنا الكثير!! وما هو دخل السودان اصلا في صراع كهذا؟ السودان في المخيال العربي دولة هامشية وبالتالي فهناك عائق بنيوي امام اي دور قيادي وريادي له في قضايا العرب المركزية ، عقدة الهوية هي ما يدفعنا للتدخل في هذه القضايا بدون تعقل وتدبر للنتائج ، وبعد كل الكوارث التي حصدناها لم نتعلم الدرس مثلما تعلمت مصر على سبيل المثال ! الم تكن مصر الناصرية رأس الرمح في الصراع العربي الازرائييلي؟ الم تتراجع عن ذلك وتؤثر السلام والسلامة الوطنية وحتى هذه اللحظة لا يجروؤ شخص طبيعي او اعتباري في مصر على المطالبة بتمزيق اتفاقية كامب ديفد؟ حتى ايران التي تقود ما يسمى بمحور الممانعة حاليا ، سبق لها ان استوردت السلاح من ازرائيل وتواطأت مع الدولة العبرية في تدمير المفاعل النووي العراقي اثناء حرب الخليج الاولى بين ايران والعراق! في ذلك الوقت فرض منطق الدولة الوطنية نفسه على الملالي بكل اصوليتهم!

اما نحن فعندما كانت بلادنا تحت وطأة العقوبات الامريكية وتحت حصار العزلة التي استنزفت منا مليارات الدولارات كخسائر مباشرة وكفرص ضائعة، وكانت فترتنا الانتقالية مثقلة بتركة نظام الكيزان الذي اورثنا حرائق في العلاقات الخارجية، في هذا الظرف المعقد جعلنا موضوع التطبيع معركة حامية الوطيس استدعينا فيها كل ما نملك من مزايدات عروبية واسلاموية واستنزف الجدل حول هذه القضية طاقة كبيرة تجعل المرء يتعجب فعلا من غفلتنا عن اولوياتنا و هوسنا بقضايا لا تندرج تحت واجبنا المباشر ،ومن الناحية العملية ليس لدينا ما نقدمه لها سوى الكلمة الطيبة! ولكن من يشهد عراكنا حول موضوع التطبيع يظن ان مفاتيح تحرير فلسسطين بايدينا دونا عن العالمين! او يظن اننا دولة عظيمة ومؤثرة وذات نفوذ اقليمي وازن وتطبيعها سيكون اكثر خطورة من تطبيع مصر والاردن والمغرب وتركيا .

لقد عاش السودان طفولته ومراهقته السياسية بالكامل، ونخبته السياسية استوفت نصيبها من الرومانسية السياسية، وبعد كل الاثمان الباهظة التي دفعها الشعب السوداني من وحدة اراضيه ومن حروب طاحنة وفرص ضائعة ودولة على حافة الانهيار آن اوان الرشد والتعقل ! واهم خطوة نحو ذلك فهم المنطق الذي تشتغل به الدولة الوطنية في عالم اليوم ، وهو منطق المصلحة المباشرة للدولة ، هذا المنطق هو الذي يحكم علاقاتها الخارجية، ومؤكد ان علاقة الدولة بالخارج تعكس منهج علاقتها بشعبها ومدى تعظيمها لمصالحه وحقوقه في الحياة الكريمة، اذا رشدت السياسة السودانية فان محور عملها سيكون انتشال السودان من حفرة التخلف عبر صناعة السلام بين كل مكوناته الاثنية وحماية وحدة اراضيه على اساس ديمقراطي ورؤية تنموية وحوكمية تضع حلولا عملية لازالة المظالم التاريخية وبناء تحالفات خارجية على اساس واحد هو جدوى هذه التحالفات في مساعدة السودان على انجاز اولوياته الداخلية، والبعد عن اي صراعات خارجية تفتح على البلاد ابواب الجحيم من عقوبات وعزلة واستهداف لوحدة اراضيها، وفي هذا العالم المتوحش كل من يمد رجليه الى ابعد من لحافه سوف تقطع رجليه بلا رحمة! ولحاف الدولة هو مؤهلاتها في مجالات المعرفة والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية والبشرية والقوة العسكرية ورأسمالها الرمزي في محيطها الاقليمي! الدولة التي لا تمتلك سوى الخطابة والعنتريات التي ما قتلت ذبابة سيكون مصيرها الحتمي هو ما نشهده في السودان من كوارث ومآسي اليمة!

إرسال التعليق

لقد فاتك