سارة السعيد : مصر والسودان: كيف تتحول «حماية الدولة» إلى منع اكتمالها؟
في كل مرة يتقدّم فيها الدور المصري في الشأن السوداني تحت عناوين من قبيل حماية الدولة، أو منع الانهيار، أو الحفاظ على الاستقرار، تتكرّر النتيجة ذاتها: إطالة أمد الأزمة، إعادة إنتاج أنماط الفشل، وتعطيل أي مسار يؤدي إلى تشكّل دولة سودانية مكتملة السيادة. ولا يمكن تفسير هذا التكرار بوصفه مصادفة أو سلسلة أخطاء تكتيكية، بل بوصفه نمط بنيوي يعكس خلل عميق في الطريقة التي تُدرك بها القاهرة طبيعة الدولة في السودان وحدود تحوّلها.
تنطلق المقاربة المصرية من افتراض أساسي مفاده أن السودان دولة قائمة تعرّضت لاضطراب أمني طارئ، يمكن احتواؤه عبر أدوات الضبط والاستقرار. غير أن هذا الافتراض يتجاهل واقعاً أكثر تعقيداً: فالسودان لم يُنجز لحظة التأسيس الدولتي أصلاً. والفارق بين دولة قائمة تمر بأزمة، ودولة لم تكتمل بنيتها التأسيسية، فارق حاسم. فالدولة القائمة يمكن إدارتها أمنياً، ولو على نحو قسري ومؤقت، أما الدولة غير المكتملة، فإن إخضاعها للأدوات الأمنية لا يحميها، بل يمنع تشكّلها من الأساس. وهنا يتجلى التناقض الجوهري بين الخطاب المصري والممارسة الفعلية.
في هذا السياق، لا يعمل الدور المصري على إنقاذ الدولة السودانية بقدر ما يسهم في تثبيت أكثر صيغها هشاشة. فالدولة كما تُعاد إنتاجها عبر هذا الدور ليست دولة سيادة، بل دولة وظيفة بمعنى انها تؤدي أدواراً أمنية محددة، وتبقى داخل هوامش مرسومة، ولا تمتلك قرارها السياسي الكامل. ومن هنا، لم يتخذ النفوذ المصري في السودان شكل شراكة سياسية مفتوحة أو علاقة ندّية، بل انحصر تاريخياً في قنوات مؤسسية ضيقة، على رأسها المؤسسة العسكرية، بوصفها الفاعل الأكثر قابلية للضبط والأقل خضوعاً للمساءلة المجتمعية.
ولا يمثل هذا الاختزال للدولة في المؤسسة العسكرية خطأً نظرياً فحسب، بل يعكس مأزق سياسي متكرر. فالمؤسسة العسكرية السودانية لم تكن في أي مرحلة إطاراً جامعاً للسيادة الوطنية، بل لعبت دور مركزي في الانقلابات، واحتكار السلطة، وإدامة الصراعات الداخلية. ومع ذلك، يستمر الرهان عليها، لا لأنها قادرة على بناء الدولة، بل لأنها تضمن تعطيل التحوّل. فالدولة التي تُبنى على أساس مدني تعددي تخرج تلقائياً من منطق الوصاية، بينما تبقى الدولة المرتبطة بالسلطة العسكرية دولة ناقصة، قابلة للإدارة من الخارج.
ولا تعود الإشكالية هنا إلى نوايا القاهرة بقدر ما تعود إلى بنيتها الذهنية في مقاربة الجوار. فالدولة التي لا تستطيع تخيّل “جار” سيادي كامل إلا بوصفه تهديد، تجد نفسها بنيوياً في موقع مُعادي لاكتمال هذا الجار. ولهذا، كلما اقترب السودانيون من طرح سؤال الدولة بجدية، أُعيد توجيه النقاش نحو مفردات الأمن، والاستقرار، ومنع الفوضى. غير أن هذه المفردات لا تُستخدم كأدوات تحليل، بل كأدوات تعطيل. فما يُمنع عملياً ليس الانهيار، بل الاكتمال؛ وما يُخشى ليس الحرب، بل السلام الذي يُنتج دولة لا تمر قراراتها عبر قنوات خارجية.
ضمن هذا الإطار، تتحول ما يُسمى بالوساطة المصرية إلى امتداد لوظيفة قديمة: إدارة الانهيار لا إنهاؤه. فالدور الذي يُقدَّم بوصفه مانع لتفكك الدولة، يعمل عملياً على إبقاء السودان في حالة بينية مستدامة: لا ينهار بالكامل، ولا يقوم كدولة مكتملة. وهذه الحالة ليست فشل عرضي، بل وضع مريح لنظام إقليمي يخشى التحوّل أكثر مما يخشى الفوضى. فالدولة الناقصة يمكن التنبؤ بسلوكها، أما الدولة المكتملة فغير قابلة للضبط.
ويكشف الخطاب المصري حول “رفض تفكيك الدولة” هذا التناقض بوضوح. فالمقصود بالدولة هنا ليس العقد الاجتماعي ولا السيادة الشعبية، بل الجهاز الأمني المركزي. وأي محاولة لإعادة تعريف الدولة خارج هذا الإطار تُصوَّر فورًا كتهديد للوحدة الوطنية، أو مدخل للفوضى، أو مشروع تفكيك. وبهذا، يتحول الدفاع عن الدولة إلى صراع ضد معناها، ويغدو الاستقرار أداة لإدامة الخلل بدل معالجته.
الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يقتصر على إدارة الأزمة سياسياً، بل يمتد إلى التعامل مع الأفراد أنفسهم بوصفهم عناصر وظيفية داخل المعادلة. فاللاجئون السودانيون لا يُنظر إليهم كضحايا صراع، بل كأرقام، أو أوراق ضغط، أو أدوات ضمن سردية أمنية أوسع. وهذه الممارسة ليست انحراف عرضي ، بل نتيجة منطقية لرؤية لا تعترف بالسودان كدولة مكتملة الحقوق، بل كساحة إدارة إقليمية.
وعليه، فإن الإخفاق المتكرر في “إنقاذ” السودان لا يُعد لغزا سياسياً. فلا يمكن لدولة أن تسهم في بناء دولة أخرى وهي تخشى اكتمالها، ولا يمكن لمنطق أمني صرف أن ينتج حلاً لأزمة تأسيس تاريخية. فكل تدخل من هذا النوع يعمّق الأزمة لأنه يؤجل لحظة التحوّل، ويُبعد الإجابة عن السؤال الجوهري: لمن السيادة؟ ومن يملك حق تعريف الدولة؟
في المحصلة، لا تكمن المشكلة في أن مصر تتدخل في السودان، بل في أن هذا التدخل يعمل باستمرار بعكس الاتجاه التاريخي الضروري لبناء الدولة. فالدول التي يُمنع شفاؤها لا تبقى مستقرة، بل تتحول إلى بؤر توتر دائمة. وكل نظام إقليمي يرى في اكتمال الدول المجاورة تهديدًا، يكتشف لاحقاً أنه كان يراكم هشاشته الخاصة. السودان لا يحتاج إلى من “يحمي” دولته بهذه الصيغة، بل إلى من يكفّ عن منع ولادتها.


إرسال التعليق