آدم الحاجة: السودان والهامش الإفريقي نموذجًا لمواجهة الاستعمار الحديث وحكامه الوكلاء
مقدمة:
لم تعد معركة الشعوب الأفريقية مع الاستعمار تدور حول جيوشٍ ترحل أو أعلامٍ تُنزل، بل حول منظومة أشد تعقيدًا تُعرف بـ الاستعمار الحديث، الذي يحكم من الداخل عبر نخب محلية ووكلاء سياسيين واقتصاديين، ويُعيد إنتاج الصراع داخل المجتمع نفسه.
وفي هذا السياق، تمثل حالة السودان، وخاصة أقاليم الهامش، نموذجًا صارخًا لصراع التحرر المؤجل، ولعلاقة معقّدة بين التبعية الخارجية والاحتقان التاريخي الداخلي.
أولًا: الاستعمار الحديث… السيطرة عبر الانقسام لا الاحتلال
يعتمد الاستعمار الجديد في أفريقيا على إدارة الصراع بدل إنهائه، عبر:
دعم أنظمة بلا شرعية شعبية
التحكم في الموارد عبر شركات عابرة للحدود
فرض سياسات اقتصادية تُضعف الدولة وتُفقِر المجتمع
إدامة الانقسامات التاريخية كوسيلة للضبط والسيطرة
فالانقسام المجتمعي هنا ليس عَرَضًا، بل أداة حكم.
ثانيًا: السودان… حين يتحول التاريخ إلى سلاح ضد الحاضر
منذ الاستقلال، فشل السودان في إدارة تنوعه سياسيًا واجتماعيًا، فتم ترحيل الأزمات بدل معالجتها، وتحويل المظالم التاريخية إلى ذاكرة غضب متراكمة.
الهامش لم يُقصَ فقط اقتصاديًا، بل:
جرى تحميله مسؤولية الحروب
ووصمه بالتمرد
واستخدام تاريخه الجريح كذريعة للقمع
وفي المقابل، أُنتج مركزٌ سياسي يعيد تدوير السلطة دون مساءلة، ويغذي الصراع بدل حله.
ثالثًا: عمالة الحكام… حين تصبح الدولة وسيطًا للاستعمار
في النموذج السوداني والأفريقي عمومًا، لا تستمد الأنظمة شرعيتها من شعوبها، بل من:
الاعتراف الخارجي
التوازنات الإقليمية
المصالح الأمنية والاقتصادية الدولية
ولهذا، فإن هذه الأنظمة:
لا تسعى للمصالحة الوطنية
ولا لمعالجة الجذور التاريخية للصراع
لأنها تستفيد من بقاء المجتمع منقسمًا ومُحتقنًا
رابعًا: تجاوز مرارات الماضي… شرط للتحرر لا للتنازل
لا يمكن لأي مشروع تحرري أن ينجح في ظل أسر الوعي الثوري داخل ثأر التاريخ.
لكن تجاوز الماضي لا يعني نسيانه، بل:
تحويل الذاكرة من أداة انتقام إلى أداة وعي
الفصل بين المحاسبة العادلة والانتقام السياسي
كسر توظيف المظالم التاريخية لصالح نخب جديدة
الاحتقان التاريخي غير المُدار:
يفتت قوى الثورة أكثر مما يفتت الأنظمة.
خامسًا: وحدة الضحايا… الطريق لتعزيز قوى الثورة
قوة الثورة لا تُبنى على النقاء الأيديولوجي، بل على وحدة المتضررين من المنظومة نفسها.
الهامش والمركز الفقير، المدني والعسكري المُستغل، اللاجئ والنازح، جميعهم:
ضحايا بنية واحدة
وعدوهم الحقيقي واحد
وإن اختلفت أشكال المعاناة
إن تجاوز مرارات الماضي سياسيًا واجتماعيًا هو:
شرط لبناء جبهة وطنية عريضة
وضرورة استراتيجية لهزيمة الاستعمار الحديث ووكلائه
وليس تنازلًا عن العدالة أو الحقوق
سادسًا: شروط التحرر وبناء الدولة الجديدة
لا تحرر دون:
سيادة اقتصادية
تفكيك عسكرة السياسة
عدالة انتقالية شاملة وغير انتقائية
دولة مواطنة متساوية
مصالحة تاريخية واعية لا تُفلت المجرمين ولا تُقدّس الكراهية
وفي السودان، لا مستقبل دون إعادة بناء الدولة من الهامش إلى المركز، على أساس جديد لا يُعيد إنتاج المظالم القديمة.
خاتمة
التحرر ليس لحظة غضب، بل مشروع وعي.
ولا ثورة تنتصر وهي أسيرة جراحها دون أفق سياسي جامع.
في السودان، كما في أفريقيا كلها،
إما تجاوز واعٍ للتاريخ من أجل المستقبل،
أو بقاء دائم في دائرة الصراع المُدار.
إما دولة لكل مواطنيها…
أو لا دولة على الإطلاق.


إرسال التعليق