مجدي محمد : ورقة التوت الأخيرة: كيف "يُفلسف" نخب المركز دفاعهم عن الأبارتهايد السوداني؟ - صوت الوحدة

مجدي محمد : ورقة التوت الأخيرة: كيف “يُفلسف” نخب المركز دفاعهم عن الأبارتهايد السوداني؟

​في الوقت الذي تحترق فيه الخرطوم، وتتناثر أشلاء السودانيين في الطرقات، وتُدك المدن فوق رؤوس ساكنيها، تخرج علينا نخب “دولة 56” بنوع فاخر من السفسطة الباردة. يكتبون مقالات أنيقة، مدبجة بمصطلحات علم النفس، وعلم الاجتماع، ونظريات الدولة، ليتحدثوا عن كل شيء.. نعم عن كل شيء، إلا عن “الفيل القابع في الغرفة”: العدالة المفقودة، ودولة الفصل العنصري التي يجب أن تزول.
​إن ما نمارسه اليوم من قراءة لهذه السرديات ليس ترفاً فكرياً، بل هو تفكيك لأخطر عملية “احتيال أخلاقي” في تاريخنا الحديث. إنها محاولة يائسة من المنتفعين تاريخياً بامتيازات الدولة القديمة لتبرير انحيازهم للجلاد، ليس حباً فيه، بل رعباً من الضحية التي قررت أخيراً أن تكسر القيد.

​عقدة “الرجل الأبيض” في جنوب أفريقيا
​ما تفعله النخب السودانية (الوسطية/النيلية) اليوم لا يختلف قيد أنملة عما فعله “الليبراليون البيض” في جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).
كان هؤلاء يتحدثون بأسى عن “عنف السود”، ويحذرون من “الفوضى” إذا سقط نظام الحكم الأبيض، ويطالبون مانديلا والمؤتمر الوطني الأفريقي بـ “تهذيب مقاومتهم” و”مراعاة مخاوف الأقلية البيضاء”. كانوا يريدون “سلاماً” يحفظ لهم حدائقهم الخلفية وامتيازاتهم الاقتصادية، لا “عدالة” تساوي بينهم وبين من يعيشون في الصفيح.
​واليوم، تعيد نخبنا إنتاج نفس المسرحية. يحدثوننا عن “مخاطر انهيار الدولة”، وعن “رمزية الجيش”، وعن “الخوف من المجهول”. لكنهم لا يجرؤون على الاعتراف بالحقيقة العارية: هذه “الدولة” التي تخافون انهيارها هي “جنتكم” أنتم، لكنها كانت “الجحيم” لملايين السودانيين في الهامش لسبعين عاماً.
أنتم لا تخافون “انهيار الدولة”، أنتم تخافون “انهيار امتيازاتكم”.

​الهروب إلى “علم النفس” لتغييب “السياسة”
​حين تعجز النخبة عن الدفاع عن موقفها الأخلاقي المهترئ، تهرب إلى “علم النفس”.
يقولون لنا: “الناس يصطفون خلف الجيش بحثاً عن الأمان النفسي واليقين”. يالها من وصاية متعالية!
هذا التحليل يفترض أن المواطن “قاصر”، مجرد كائن مرعوب يبحث عن “أب” يحميه. إنه يتجاهل عمداً حقيقة أن هذا “الأب/الجيش” هو الذي اغتصب وقتل وحرق القرى في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
من يرى في الجيش “أماناً” هو فقط من كان الجيش يحمي “منطقته” ويضرب “غيره”. أما ضحايا الإبادة، فلا يحتاجون لتحليل نفسي ليعرفوا أن هذا الجيش هو عدوهم الأول. استخدام علم النفس هنا هو وسيلة خبيثة لـ “أنسنة الجريمة” وتحويل الانحياز للقتلة إلى مجرد “عَرَض لصدمة نفسية” يستوجب التعاطف لا الإدانة.
​فزاعة “الفراغ” وأكذوبة الإصلاح
​أخطر ما في خطاب هذه النخبة هو الدعوة المبطنة لـ “إصلاح” المؤسسة العسكرية والأمنية بدلاً من تفكيكها وتأسيسها من جديد.
يستدعون نظريات ماكس فيبر عن “احتكار العنف” ليقولوا لنا: “الجيش السيء أفضل من الميليشيا”. هذه مغالطة تاريخية. الجيش السوداني الحالي لم يكن يوماً مؤسسة وطنية فسدت، بل هو مؤسسة استعمارية وظيفية صُممت لقهر الداخل. الحديث عن “إصلاحها” كالحديث عن “إصلاح” السرطان.
إنهم يفضلون “فاشية الدولة المنظمة” التي يعرفونها، على “مخاض التأسيس الجديد” الذي قد يجردهم من مكانتهم الاجتماعية. يفضلون أن يُقتل الآلاف في الهامش بصمت وتعود الحياة لطبيعتها في الخرطوم، على أن تُدك حصون الدولة القديمة ليتساوى الجميع في الألم والأمل.

​السقوط الأخلاقي المدوي
​لماذا لا يتحدثون عن “تأسيس جديد”؟
لأن التأسيس الجديد (كما يطرحه تحالف تأسيس) يعني: نهاية دولة الـ 56.
يعني أن ضابط الجيش القادم قد يكون من أقصى الهامش ولا ينتمي لـ “أولاد البحر”.
يعني أن الثروة ستذهب لمن ينتجها، لا لمن يجلس في مكاتب الوزارات المكيفة في العاصمة.
يعني مساواة حقيقية في الدين واللغة والهوية.
وهذا بالضبط ما يرعبهم. لذلك، يغلفون رفضهم لهذا التغيير الجذري بخطاب ناعم عن “السلام”، و”وقف الحرب”، و”الحفاظ على النسيج الاجتماعي”.
​عن أي نسيج يتحدثون؟ النسيج الذي مُزق بقنابل “الأنتينوف” لعقود ولم يذرفوا عليه دمعة واحدة؟ أم نسيج نوادي الخرطوم المغلقة؟

​خاتمة: زمن “المنطقة الرمادية” انتهى
​أيها “المثقفون” المذعورون من التغيير:
لقد سقطت ورقة التوت.
لا يمكنكم بعد اليوم الاختباء خلف “التحليل الأكاديمي” و”الحياد البارد”.
أنتم لستم “وسطاء” في هذا الصراع، أنتم “منتفعون” يدافعون عن مكتسباتهم الطبقية والعرقية.
السلام الذي تبحثون عنه هو “استراحة محارب” استعداداً لجولة قمع جديدة. أما نحن، فلا نبحث عن “هدنة” تعيدنا عبيداً في مزرعة “دولة 56”.
نحن نبحث عن تأسيس جديد. تأسيس مؤلم، مكلف، وقاسٍ.. نعم، تماماً كما كان إنهاء الأبارتهايد قاسياً على البيض الذين فقدوا رفاهية استعباد الآخرين.
​الحقيقة بسيطة وصادمة: لا سلام دون تفكيك دولة الامتيازات، ولا عدالة دون محاسبة المؤسسة التي تعبدونها سراً وتنتقدونها علناً.
انتهى زمن اللعب بالكلمات. المعركة الآن هي معركة وجود: إما سودان قديم يلفظ أنفاسه، أو سودان جديد يولد من رحم النار. واختياركم لموقعكم في هذه المعركة سيظل عاراً يلاحقكم أو شرفاً يحفظه التاريخ. لكن تذكروا: التاريخ لا يكتبه المترددون

إرسال التعليق

لقد فاتك