عمار سعيد : خطاب الكلاكلة… حين تُغلق السياسة ويُفتح باب الحرب - صوت الوحدة

عمار سعيد : خطاب الكلاكلة… حين تُغلق السياسة ويُفتح باب الحرب

في ظهوره الأخير بمنطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم، لم يقدّم الفريق أول عبد الفتاح البرهان خطابًا تعبويًا عابرًا، بل أطلق بيان حرب سياسيًا مكتمل الأركان. لغة إقصائية، تهديدات مباشرة، وإشارات صريحة تُغلق الباب أمام أي مسار تفاوضي، وتعيد إنتاج مناخٍ مألوفٍ في تاريخ السودان الحديث: كلما لاحت مؤشرات قوة، تراجعت فرص السلام.

«لن تطأ أقدامكم أرض السودان»
عبارة واحدة كانت كافية لتلخيص جوهر الخطاب: السياسة تتحول إلى طرد، والخلاف إلى نفي.

من “الخطاب الميداني” إلى إعلان الإقصاء

لم يتوقف خطاب الكلاكلة عند حدود نقد الخصوم، بل تجاوزها إلى نزع الشرعية السياسية عن مدنيين في الخارج، والتشكيك في حقهم بالعودة. هنا، تتحول الدولة من وسيط جامع إلى طرفٍ يقسّم المجتمع بين “مسموح” و“ممنوع”، ويعيد تعريف الوطنية بوصفها الاصطفاف خلف الحرب.

«الوطن ليس للجميع»
رسالة غير معلنة، لكنها حاضرة بقوة في مفردات الخطاب.

“لا تفاوض” كخط ثابت لا كزلة لسان

الخطاب الأخير ليس استثناءً. خلال العامين الماضيين، تكررت عبارات منسوبة للبرهان تُغلق باب التفاوض:
• لا مصالحة
• لا تفاوض
• لا صلح

ومع كل محطة، يتّسع نطاق الرفض ليشمل فاعلين مدنيين ومسارات وساطة، حتى بات السلام مشروطًا بالإزالة لا بالتسوية.

«السلام بعد الحسم»
وصفة مجرّبة لإطالة الحروب لا إنهائها.

عندما يتكلم السلاح… تتصلّب السياسة

التاريخ القريب يوضح نمطًا متكررًا: تحسّن ميداني أو دعم عسكري = تصعيد خطابي.
المسيّرات، الإمدادات، والوعود التسليحية لا تغيّر ميزان القتال فقط؛ بل تغيّر حسابات القرار. ومع شعورٍ بإمكانية الحسم، يصبح التفاوض “تنازلًا غير ضروري”.

«القوة تسبق الحكمة»
معادلة تُغري القادة العسكريين، وتدفع المدنيين ثمنها.

الدعم الدبلوماسي… رصيد يُصرف في الحرب

إلى جانب السلاح، يوفّر الاعتراف الخارجي واصطفافات إقليمية غطاءً سياسيًا يعزّز خطاب “الأمر الواقع”. حين تُمنح شرعية مؤقتة لسلطة الحرب، ترتفع كلفة التراجع، ويضيق هامش المناورة نحو تسوية شاملة.

«الشرعية حين تُدار بالسلاح، تُفلس السياسة».

الإسلاميون والجيش: تداخل مصالح لا تحالف مُعلن

يتصاعد الجدل حول اقتراب البرهان من تيارات إسلامية كانت جزءًا من النظام البائد. الواقع الأكثر دقة هو تداخل مصالح:
• الجيش يحتاج شبكات تعبئة وخطابًا تعبويًا صلبًا.
• الإسلاميون يبحثون عن نافذة عودة إلى السلطة.

ومع كل تقدم عسكري، يشتد هذا الرباط—even إن ظل بلا إعلان رسمي.

«حين تلتقي مصلحة البقاء مع مصلحة العودة، تتآكل الدولة».

لماذا يُغلق باب السلام بعد كل “تقدم”؟

ثلاثة أسباب رئيسية:
1. وهم الفرصة الذهبية: الاعتقاد بأن النصر بات قريبًا.
2. ضغط القاعدة المتشددة: التي تعيش سياسيًا على استمرار الحرب.
3. تضييق تعريف الوطني: ليصبح وقف الحرب فعل خيانة.

«حين تُختزل الوطنية في القتال، يُشيطن السلام».

ما الذي يعنيه خطاب الكلاكلة للسودان؟
• رسالة سلبية لأي وساطة جادة.
• تعميق للاستقطاب الاجتماعي.
• تأجيل مُكلف لما بعد الحرب، إن جاء.

النتيجة الأرجح: حرب أطول، دولة أضعف، ومجتمع أكثر انقسامًا.

خطاب القوة أم مأزق الدولة؟

خطاب الكلاكلة ليس مجرد انفعال لحظي؛ إنه مرآة لأزمة دولة تُدار بمنطق المعركة. وعندما تصبح الحرب لغة رسمية، تتحول السياسة إلى أداة إقصاء، ويُدفَع السلام إلى الهامش.

«الدول لا تُبنى بالوعيد… بل بعقدٍ اجتماعي يتّسع للجميع».

إرسال التعليق

لقد فاتك