عمار نجم الدين : دولة كرام المواطنين وأحفادها الجددعن إعادة تدوير العبودية في تقارير المجتمع المدني
تاريخ لا يموت، بل يُغيّر جلده.
ما خُطّت حروفه في الأول من مارس 1925 لم ينهزم، ولم يخضع لمحاكمة تاريخية حقيقية. كل ما حدث هو عملية “مكياج” لغوي بارعة؛ تبدلت فيها الأدوات، وانتقلت الرسائل من مكاتب المخابرات البريطانية في الخرطوم، لتستقر في أروقة المنظمات الدولية الفاخرة في جنيف ونيويورك. تغيرت القبعات، لكن الرأس واحد، والمنطق هو ذاته، والفاعل الاجتماعي هو الامتداد الطبيعي لتلك النخبة القديمة.
إن مذكرة “كرام المواطنين” (1925) لم تكن مجرد دفاع فج عن الرق، بل كانت دفاعاً مستميتاً عن “بنية حكم” تقوم أساساً على سلب الأهلية. لقد غلّفت العبودية بغلاف أخلاقي وعقلاني زائف، سائلةً: هل هؤلاء الأرقاء جاهزون للحرية؟ ألن يفسدوا؟ ألن ينهار الاقتصاد إذا تُركوا لشأنهم؟
هذه الحجج ليست إرثاً ماضويًا؛ إنها “شيفرة” الخطاب السياسي المستخدم اليوم ضد حركات الهامش التحررية.
لقد استبدلوا المفردات بذكاء خبيث:
فبدلاً من “الرقيق”، يقولون “حركات غير منضبطة”.
وبدلاً من “عدم الجاهزية للحرية”، يقولون “عدم النضج للحكم”.
وبدلاً من الخوف على “الزراعة”، يتباكون على “الاستقرار”.
الهدف واحد: منع التحرر تحت ذريعة الوصاية والحماية.
وهنا تبرز منظمات المجتمع المدني في نسختها السودانية، لتلعب – بوعي أو بدونه – دور “نخبة 1925” في ثوب حداثي. فهي تهرع إلى المجتمع الدولي، لا لتفكيك الدولة المركزية المشوهة التي أنتجت العنف، بل لتجريم محاولات الهامش في الخروج عليها.
سؤالهم دائماً مقلوب: لا يسألون “لماذا حمل هؤلاء السلاح؟”، بل يصرخون “لماذا خرجوا عن طوع الدولة؟”. وهم هنا لا يقصدون الدولة ككيان قانوني للجميع، بل “دولة الامتيازات” التاريخية التي صُممت لخدمة فئة محددة.
إن هذه المنظمات تعالج القشور وتترك السرطان ينهش العظم. تدين ردود أفعال الحركات، وتساوي بين الضحية والجلاد، وتضع الثوار في كفة واحدة مع المليشيات التي فرّختها الدولة نفسها. إنهم يفرغون الصراع من حمولته التاريخية ومظالمه العميقة، ليحولوه إلى مجرد “أزمة أمنية” أو “سلوكيات خاطئة”.
هنا تكتمل الجريمة التاريخية وتكرر نفسها:
بالأمس، لم يُدن النظام الذي شرعن الرق، بل حُمّل المستعبدون وزر “الفوضى المتوقعة” إذا نالوا حريتهم.
واليوم، لا تُدان الدولة التي أسست للعنف البنيوي، بل يُدان الهامش لأنه تجرأ وقاوم.
الأكثر رعباً هو عملية “إعادة تدوير النخبة”. فحين تفشل الأدوات العسكرية والأمنية، لا يتم تغيير “العقلية الحاكمة”، بل يُستبدل الأشخاص بآخرين من نفس الطينة الاجتماعية والثقافية. وهذا بالضبط ما تفعله المنظمات: تعاقب الأفراد الفاشلين، لكنها تقدس “الكتالوج” الذي صنعهم. تغير اللاعبين وتحافظ على قواعد اللعبة.
ثم يخرج هؤلاء – الورثة الشرعيون لتجار الرقيق سياسياً واجتماعياً – بمذكراتهم الحديثة الأنيقة للعالم: “الهامش عنيف”، “غير مسؤول”، “لا يحترم القانون الدولي”.
أليست هذه هي روح المذكرة القديمة؟
أليست هي الحجة الاستعمارية ذاتها؟
الحقيقة التي يخشونها ليست “الرق” أو “الحرب” في حد ذاتهما، بل “التحرر” و”الخروج عن الطاعة”.
بهذا المعنى، لا تمثل منظمات المجتمع المدني قطيعة مع إرث دولة العبودية، بل هي امتدادها “الناعم” والأكثر تهذيباً.
إنهم لا يحملون السياط، لكنهم يكتبون التقارير التي تجلد الضحية.
لا يبنون السجون، لكنهم يصيغون السردية التي تبرر الاعتقال.
لا يضغطون على الزناد، لكنهم ينزعون عن الضحية شرعية المقاومة.
إن التحريض اليوم لا يحتاج إلى لغة عنصرية فجة، فاللغة “المهنية” تفي بالغرض: تقارير تعاني من حَوَلٍ هوياتي، توازن كاذب بين الدولة وجلاديها، وتغافل متعمد عن أصل الداء: من صمم هذه الدولة؟ ومن احتكر حق الحكم؟
ما نعيشه ليس صراعاً بين دولة ومليشيات، بل هو صراع وجودي بين مشروع “تحرر” وبين مشروع “عبودية سياسية” أعيد إنتاجه. دولة انتقلت من تملك الأجساد إلى مصادرة القرارات، ومن تقييد الحركة بالسلاسل إلى تقييد العقول بنزع الأهلية.
العبقرية السياسية ليست في إحصاء الانتهاكات، بل في رؤية ذلك الحبل السري الغليظ الذي يربط 1925 بـ 2025.
الحبل الذي يخبرك أن النخبة هي النخبة، والحجة هي الحجة، والخوف هو الخوف.
ومن يعجز عن رؤية هذا الرابط، سيظل يكتب تقارير منمقة وجميلة.. لكنه في الحقيقة، ودون أن يرتجف له جفن، يوقع بقلمه على مذكرة “كرام مواطنين” جديدة



إرسال التعليق