محمد الحبيب يونس : الهامش ومراحل تشكل السرديات و الوعي الثوري.
في مقال سابق تحدثنا أن للمركز النخبوي أنساقًا ثقافية و سرديات كبرى متماسكة ومنتشرة على امتداد الشريط النيلي تجعل مسألة كراهية أهل غرب السودان حتمية ثقافية أي يفرضها على المرء منذ نعومة أظافره السائد والمتعارف الثقافي وسرديات المجتمع وما تختزنه الذاكرة الجماعية من صراعات دارت بين التعايشي والنيليين، فبذلك يحتم المتوارث الثقافي والتاريخي على إنسان المركز أن يرى ابن غرب السودان رؤية لا تخلو من الحذر والريبة والبغض، وبالضرورة ليس كل أهل النيل يعادون أهل الغرب، ولكن كل الصور التي أنتجتها السرديات والثقافة عن الغرب تنمط ( الغرابي ) وتسجنه بين إطار ضيق في صورة وحشية منفرة، ولكن هناك من يتمرد على الأنساق الثقافية ورؤية مجتمعه ويحاربها ويخلق صداقات بينه وبين أبناء الغرب وهناك من يكون ضحية النسق الثقافي، وفي مقالنا اليوم نريد أن نسلط الضوء على غرب السودان ونتقصى حكاياته وثقافاته ومعتقداته لنرى إذا كانت له سرديات مقابلة لتلك التي في المركز.
قبل سنين في ذاكرة الهوامش العدائية دارفور، كردفان، جبال النوبة ثمة بياض شاسع ظل سنينًا يعكس نقاء تلك البقعة والسلام الذي تعيشه، لكن في مرحلة ما بدأت تظهر فيه خيوط الدماء شيئا فشيئا وتكتب صولجان الحكومة وبنادقها تكتب سطورا هنا وهناك في تلك الذاكرة البيضاء، فتشكلت سرديات صغرى لدى فئات مستنيرة تعي أن حال أمتها وما تعانيه من تهميش وما تخلقه الحكومة من فتن بين القبائل. وبهذا أصبحت تلك الفئة تكن عداء واضحًا للحكومات المتعاقبة حيث نتجت عن تجاربها جميعا كما أسلفت رؤى وسرديات صغرى لدى بعض الفئات، أقول سرديات صغرى غير متماسكة لأن السواد الأعظم من غرب السودان حينها و رغم معاناته مازال في غيبوبة تامة وما زال سجينا في تلك القومية التي بنيت متحيزة للمركز، لذلك أغلب أبناء الغرب تم سلب إنتماءهم وتشكيل وجدانهم القومي من المحمولات الثقافية والإرث النيلي من حضارته المادية والرمزية وجعلها فقط هي النموذج التراثي للشعب وهي فقط ما يمثل الرصيد التاريخي للسودان، ناسين أو متناسين سلطنات كردفان ودارفور التي كان بها نظام حكم وإدارة دقيقة وثقافات ومعارف لا تقل عن أي مملكة في زمنها . لكن المركز حاول تغبيش وعي إنسان غرب السودان بنفسه وإرثه وإفراغه من محتواها ليسهل عليه امتلاك انتماءاته إذ جعل التراث والثقافة النيلية فقط هي ما يشكل الوجدان الوطني، فليس غريبا أن بعض من أبناءوالغرب يظهرون إكبارا وتعظيما للمركز ويكونون أدوات في يديه يحارب بهم من يريد، فذلك نتيجة لتشكيله للوجدان الوطني مفصلا على قدر مقاسه ومصلحته، ليرى فيه الآخرون نموذجا للوطنية.
جميع الأحزاب الساسية من الشريط النيلي، فالمركز هو الحاكم وهو المعارض وما سواه .
و أغلب نجوم المجتمع من مفكرين وأدباء وفنانين من النيل والسبب يعود إلى التجهيل المتعمد من قبل الدولة لإنسان غرب السودان، بوضع عقبات تحول بين التعليم وبين أغلبية أبنائه، فحتى لو كان هنام موهوب فهو لا يستطيع الوصول للشهرة، لأن وسائل الإعلام مركزية تتيح أغلب الفرص لأبناء النيل.
بعد عهود من الظلم والتهميش تشكلت في الغرب سرديات صغرى معادية للمركز كحكومة وليس كشعب، وأصبحت مرايا واضحة تعكسال مظالم التي تعرض لها الغرب من المركز، ولكن للأسف لم يؤمن أو ينظر لهذه المرايا سوى فئة يسيرة جدا، حملت السلاح وجهته ضد الدولة طلبا للمساوة والحرية وتأدية الحقوق، فسرديات الهامش السياسة تشكلت كاستجابة لممارسات المركز واحساس هذه الفئة بالظلم وثنائية الغني الفقير في الهامش، فمن موارده تستفيد النخب المركزية، وتعمر بلادها أما هو فأهله يعيشون حياة خشنة تفتقر إلى أبسطة الخدمات.
سرديات الهامش بين المظلمة واليقظة
في مواجهة السردية النيلية الأحادية، تطورت في الغرب سرديات مرت بانعطفات وتراكمات تاريخية كثيرة :
· مرحلة ما قبل الصحوة: كما أشرت، فرضت الدولة النموذج النيلي بوصفه القومية الوحيدة. تم تشجيع أبناء الغرب على هجر تراثهم، ليس عنوة دائمًا، بل بوصف الهجرة بوابة للاندماج في السودان الحديث. فكان الإقصاء ذكيًا، يتم عبر المناهج التعليمية والإعلام والكوميديا، مما خلق اغترابًا ثقافيًا داخليًا. النخبة السودانية بقيت حبيسة نرجسيتهاو ولم تبنِ خطابًا جامعًا يعترف بتنوع الإثنيات والثقافات، إنما شكلت الوجدان الوطني بيديها ومن محمولاتها الثقافية فقط لكسب كل الولاءات تحت كذبة الوطنية والقومية التي لا تعكس سوى وجهًا واحدا .
· مرحلة التبلور عبر النضال صحوة الحركات الكفاح المسلح لا سيما الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تعتبر الرائد في الأول في مجال المقاومة والثورة و نقطة تحول في الوعي السياسي، فشعار ((سودان جديد يتقدم، سودان قديم يتحطم )) لم يكن شعارًا سياسيًا فحسب، إنما هو مرآة لسرديات حفرتها البنادق والصواريخ القادمة من النيل في ذاكرة إقليم جبال النوبة، وما فعله المجاهدون في المواطنين من قتل وتشريد وتركيع وإذلال بذريعة الخوارج، إذ كانت الصفة/خوارج التي اسقطتها الحكومة على أبناء جبال النوبة كانت كافية لتبرير القتل ومصادرة الحريات والتشريد .
جاء التمرد نتيجة طبيعية لسلوك الدولة، فبعد أن ارادت الحكومة فرض الثقافة الإحادية وإجبار الوثني والمسيحي على الإسلام وهجر ثقافته ولغته وتبديل اسمه العجمي باسم عربي. نشأت المقاومة والثورة في جبال النوبة مقتبسة من شعلة ثورة جنوب السودان، ومن جبال النوبة اعني الحركة الشعبية اقتبست حركات دارفور شعلة الثورة فيكمن أن نعتبر أن شعار الحركة الشعبية :سودان جديد يتقدم.. ظلا مكثفًا لسردية مضادة للسردية المركزية آمن بها كل من حمل السلاح في غرب السودان الذي كانت سرديات متمرديه واضحة: العدو ليس النيلي كمواطن، بل نموذج الدولة المركزية الإقصائي.
لم يؤمن برؤية الحركة الشعبية الأكثرية من أبناء كردفان العرب خصوصا، وظلوا في طاعة الظالم إذ استغلت الحكومة التناقضات الإثنية في كردفان لتضلل الناس وتغير وتشيطن صورة الحركة الشعبية في وعي العرب إذ عكس الحكومة صورة كاذبة عن الحركة الشعبية، فاقنعت المكونات العربية أن غاية الحركة هي محو الوجودي العربي محورةً بذلك مشروع نضال الحركة بوصفه ثورة ضد الحكومة إلى حرب أهلية ضد المكون العربي.
وبعد أن نجحت الدولة في تمرير كذبتها حشدت المكون العربي وجيشته ليحارب بدلا عنها تحت مسمى الدفاع الشعبي.
في دارفور، حملت الحركات رؤية جديدة للسودان إذ نتجت عن الواقع سرديات متقاربة، رغم تعدد مرجعياتها، تركز على المظالم المتراكمة والتهميش الطويل. وهذا الوعي الثوري لا يعادي المواطن ، إنما تقتصر حربه ضد الدولة، ولكن للأسف ظل ولاء الأغلبية العظمى من سكان دارفور للمركز النيلي إذ لم ترق السرديات التي تشكلت من المظالم التاريخية إلى وعي جمعي أو سرديات كبرى أو تصبح نسقا ثقافيا عاما يحتم على الجميع معاداة الحكومة ،بل ظلت بعيدة ينظر لها المجتمع بريبة وخوف خصوصا بعد أن شيطن الإعلام كل حركات الكفاح المسلح ورسم في في العقل الجمعي العربي بالذات صورا منفرة ومخالفة لحقيقة حركات الكفاح، فحدث ما حدث في كردفان إذ جيشت الحكومة القبائل العربية لتحارب لها الحركات المسلحة لأن الحكومة نجحت في اقناع العرب بأن مشروع التمرد ليس ضد الدولة إنما ضد الوجود العربي.
· مرحلة التحول الجذري (ما بعد أبريل 2023): الحرب التي بدأها الجيش ضد قوات الدعم السريع حولت الوعي الجمعي في الغرب تحولاً قسريًا، من أيامها الأول تحولت الحرب بسبب أفعال الحيش من حرب بين مؤسستين إلى حرب هوية عنصرية ومناطقية مكشوفة. فاستهداف الطيران للأحياء السكنية في دارفور وجنوب كردفان، والتصفيات العرقية، و أكل لحوم البشر، أيقظت الشعب من غفلته الطويلة إذ وجد نفسه أمام مهدد وجودي . لم يعد الأمر يتعلق بالظلم، بل بالبقاء ذاته و هذا حوّل السرديات الصغرى القديمة غير المتماسكة، إلى وعي جمعي سياسي متماسك رسخ في عقل أغلبية أبناء الغرب بأن المركز النخبوي الحاكم هو العدو الوجودي.
الهامش والمركز واختلاف السرديات
تختلف سردية الغرب جوهريًا عن سردية المركز في بنائها الفلسفي:
· سردية المركز: تقوم على الثبات والهيمنة والتفرد. هي سردية أحادية تبني هوية قومية فوقية، تُمحو تحتها الهويات الأخرى، وتصور الهامش كـمشكلة أو ككيان متخلف يحتاج إلى استيعاب/استعمار أو قهر.
· سردية الهامش: تقوم على الحركيةو والمقاومة والتعدد. هي سردية وجودية بالمعنى الكامي، تنبع من سؤال: كيف نوجد في دولة تنكر وجودنا التاريخي والثقافي والراهن؟ إنها ليست سردية كراهية عمياء، بل سردية تأسيس الذات في مواجهة الإلغاء. إنها تحمل في طياتها ذاكرة سلطنة الفور، ومملكة الداجو، ومقاومة السلطان عجبنا وابنته ماندي وهي ذاكرة حية تنتظر الاعتراف.
من التمرد إلى المشروع الوطني
رغم تنوع تعبيراتها، تلتقي سرديات الغرب حول خيط ناظم: رفض أن يكون السودان ملكًا لثقافة واحدة أو جغرافيا واحدة. لقد تجلى هذا مؤخرًا في خطاب تحالف السودان التأسيسي وإعلان حكومة السلام والوحدة في المناطق المسيطر عليها تحالف تأسيس إقليم دار فور وكردفان و جبال النوبة، إذ يؤسس التحالف رؤية بديلة تقوم على المواطنة المتساوية والإقليمية والتعايش. .
الخلاصة
إذن نعم توجد سرديات في غرب السودان كانت بالأمس متناثرة ومشتتة وضعيفة لكن اليوم توحدت واصبح سرديات كبرى متمامسكة تمثل أغلب الرؤى السياسية لدى أبناء الغرب .
وهي ليست مجرد رد فعل عاطفي. إنها سرديات وجود نمت يومًا بعد يوم بعد تاريخ طويل التهميش والإقصاء، تجلت في كفاح مسلح، وثوارت سلمية .
اليوم تحول الوعي الثوري من كونه وعيًا نخبويا لا تؤمن به إلا الحركات المسلحة إلى نسق ثقافي عام ووعي جمعي .
إذا كانت سردية المركز النيلي قد بنيت على جدلية المهيمن والهامش الملغى فإن سردية الغرب تبني نفسها على جدلية المقاوم والوجود المطالب بحقه ورؤية سياسية لإعادة تكوين السودان بحيث تصبح القومية شاملة تتسع للجميع
الفرق الجوهري هو أن سردية المركز كانت أداة لهيمنة مستمرة، بينما سردية الهامش تتحول من أداة دفاع عن الذات في مرحلة ما إلى أساس لمشروع وطني شامل، لا ينوي إلغاء الآخر أو يريد السيطرة على المركز القديم، إنما هدفه هو تفكيك المركزية نفسها وبناء سودان متعدد المراكز، بحيث يتم تذويب الفوارق الإقتصادية والتنموية وبالتالي تنتهي ثنائية المركز والهامش.



إرسال التعليق