سارة السعيد : تحت الرماد|خطاب البرهان إلى وول ستريت جورنال: محاولة متأخرة لإعادة كتابة حقيقة الحرب
إن قراءة مقال عبد الفتاح البرهان في وول ستريت جورنال تكشف أن الرجل لم يقدم ليس بياناً يشرح حقيقة الحرب، بل قدم محاولة لإعادة صياغة دوره في الأزمة، وتخفيف الأعباء الأخلاقية والسياسية عن المؤسسة العسكرية المترهله، وصناعة حالة استعطاف بائسة وتلميع موجهة تحديداً إلى واشنطن. فالنص في جوهره لم يقدم تحليلاً للوقائع بقدر ما سعى إلى تحويل المساءلة عن أصل الانهيار السوداني إلى طرف واحد، وإلى الحصول على اعتراف خارجي لم يستطيع البرهان اكتسابه داخلياً.
فالنبرة التي لجأ إليها البرهان، خصوصاً حين تحدث عن تهديد الحرب للمصالح الأمريكية أو عن حوادث تخص موظفي السفارة الأمريكية التي ارتكبتها نفس العناصر المتطرفه التي تقف خلفه اليوم، لا تشبه لغة شريك يسعى لصنع الاستقرار، بل تشبه لغة من يلوّح بأن رفض دعمه سيجعل الانفجار يمتد نحو الآخرين. ففي الثقافة الاستراتيجية الأمريكية، هذه الطريقة تُقرأ كإشارة ضعف لا كأداة نفوذ. فالدول الراسخة لا تطلب الدعم عبر التلويح بانتقال العدوى، بل عبر تقديم نموذج قادر على ضبط الأرض ومنع التدهور، وهو ما عجزت “المؤسسة العسكرية” عن فعله طوال سنوات ما قبل الحرب وما بعدها.
البرهان حاول كذلك تقديم القوات المسلحة كقوة حامية للانتقال الديمقراطي، بينما سجل ما قبل الحرب ـ الانقلاب على الحكومة المدنية، حل المؤسسات الانتقالية، وقمع الشارع ـ ينسف هذا الادعاء من أساسه. فواشنطن لا تتعامل مع الذاكرة القصيرة، ولا مع إعادة كتابة الوقائع؛ فالتوثيق موجود، والسياق محفوظ، وكل ما جاء في مقاله يناقض مسار ثلاث سنوات كان فيها الجيش هو العقبة الأساسية أمام المدنيين.
فالرواية التي يحارل ان يصدرها البرهان حول «التمرّد» تتجاهل الحقيقة الأكثر مركزية: هي أن السودان كان يقف على حافة الانفجار منذ سنوات، وأن المؤسسات العسكرية والأمنية نفسها هي التي تركت هذا البناء هشاً ومفتوحاً للاختراق والتفكك. فالدولة لم تنهار لأن طرفاً حمل السلاح في فجر يوم واحد، بل لأنه جرى الإبقاء على بنية مزدوجة للسلطة، وخلق اقتصادات موازية، وفتح المجال أمام تحالفات مسلّحة خارج السيطرة. كل ذلك بدأ قبل الحرب بسنوات، وكان الجميع في واشنطن يدرك ذلك.
فتجاهل البرهان المتعمد لمسؤولية المؤسسة العسكرية عن مسار التدهور الطويل، ماهو إلا محاوله لاستغلال حساسية البحر الأحمر لتقديم نفسه باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار، لكن هذه الحجة لا تصمد أمام الحقائق. فالهشاشة في البحر الأحمر ليست نتيجة معركة واحدة، بل نتيجة غياب استراتيجية بحرية، وتعطل أجهزة الدولة، وانهيار منظومة القرار، وتعدد خطوط النفوذ الخارجي. هذه ليست مسؤولية ميليشيا واحدة؛ إنها مسؤولية نظام لم يعد قادراً على إدارة حدوده أو حماية ساحله أو حتى تنسيق مصالحه.
ولكن الجملة الأكثر دلالة في مقاله هي قوله إن السودان «لا يستطيع السير وحده». فبدل تقديم رؤية تعالج أصل المشكلة ـ تفكك الدولة، تعدد مراكز السلطة، غياب مؤسسات مدنية حقيقية، وتدهور الاقتصاد الموازي ـ قدم البرهان دعوة صريحة لواشنطن كي تختار شخصاً لا مساراً، وتضع ثقلها خلف طرف واحد في صراع بنيوي. هذه في تقديري ليست رؤية دولة، بل طلب إنقاذ سياسي.
اما الرسالة الحقيقية التي يكشفها المقال تتمثل في عدم امتلاك الجيش للقوة او القدرة على الحسم، بل في شعوره بأن ميزان اللحظة الدولية يتحرك، وأن عليه أن يستبق التحولات القادمة بإعادة ترتيب صورته أمام واشنطن. لكنه، في محاولته تلك، أكد جوهر ما يحاول إنكاره: وهو أن الأزمة ليست تمرداً على دولة متماسكة، بل انفجاراً لبنية فقدت الانضباط منذ زمن، وأن الحل لن يأتي عبر انتصار طرف على آخر، بل عبر إعادة تأسيس النظام السياسي والأمني من جذوره، بما يزيل تعدد الجيوش، ويكسر اقتصاد السلاح، ويربط القرار السياسي بمؤسسات مدنية مستقلة.
إن ما يحتاجه السودان ليس سرديات إنقاذ شخصية، ولا مقالات مكتوبة بمزيج من الوعود والإنذارات، بل مشروع واضح يعالج أصل الانهيار، لا أعراضه. المقال الذي أراد به البرهان تأكيد موقعه كشف في الحقيقة حدود دوره، وحدود قدرة المؤسسة العسكرية على تقديم نفسها كصاحبة الحل. وحين يقرأ صناع القرار في واشنطن هذا النص، فلن يروا قائداً يقدم خطة، بل قائداً يعلن ـ دون أن يقصد ـ أن الدولة فقدت أدوات السيطرة، وأن مستقبل السودان لن يُبنى على القوة التقليدية، بل على هندسة سياسية جديدة تتجاوز كل ما أدى إلى هذه الحرب.
تحت الرماد: السودان لا يحتاج إلى من يعيد سرد الماضي بانتقائية، بقدر حاجته إلى رؤية تعترف بأن الانهيار كان صناعة مشتركة لبنية أمنية وسياسية فاسدة، وأن الخروج من الحرب يتطلب ما هو أبعد من كسب دعم الخارج أو تحميل المسؤولية لطرف واحد. والحقيقة التي حاول البرهان تطويعها هي نفسها التي تكشف محدودية ما يستطيع تقديمه: فلا يمكن بناء نظام جديد بذات أدوات النظام القديم، ولا يمكن إعادة الدولة عبر خطاب يطلب النجاة بدل أن يقدم الأسس التي تمنع تكرار الكارثة.
إرسال التعليق