سارة السعيد : تحت الرماد| :البحر الأحمر كنظام مفصلي: كيف يُعاد تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية في عصر السيولة العالمية
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر بحري تمر عبره التجارة العالمية، بل تحوّل إلى مساحة مفصلية تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، وتتكثف فيها ضغوط تتجاوز قدرة الدول الساحلية على امتصاصها. ما يجري على ضفّتيه اليوم لا يمكن فهمه كأحداث متفرّقة، بل بوصفه إعادة تشكيل شاملة للجغرافيا السياسية في أحد أكثر الممرات حساسية في العالم.
تكشف نظرية الانهيار المنهجي (Systemic Collapse Theory – SCT) أن مناطق كهذه تتحول إلى “نظم مفصلية” حين تصبح استقرارها مرهوناً بقوى خارج حدودها أكثر من العوامل المحلية. وهذا هو بالضبط ما يحدث في البحر الأحمر منذ 2023: تراكب مصالح، تضارب استراتيجيات، وتسرّع في بناء شبكات نفوذ جديدة تتجاوز قدرة الأنظمة المحلية على إدارة المشهد.
على الضفة الإفريقية، يشكّل السودان النقطة الأكثر هشاشة في هذا النظام. فقد أدى الانهيار السياسي والعسكري منذ 2023 إلى خلق فراغ مفتوح، سمح بعودة روسيا إلى المشهد البحري عبر محاولتها الحصول على موطئ قدم قرب بورتسودان، ودفع السعودية والإمارات إلى سباق محموم للسيطرة على البنية المينائية، وأتاح لإثيوبيا إعادة طرح مسألة الوصول إلى البحر بوصفها “ضرورة وجودية” قد تُدار عبر الضغط أو التفاهمات القسرية. هذه التحولات لا تتحرك بمعزل عن بعضها؛ بل تكشف عن نظام متخم بالضغوط يفوق قدرة الدولة السودانية المتهالكة على الاستجابة.
على الضفة الآسيوية، تنظر السعودية إلى البحر الأحمر باعتباره خط الدفاع البحري الأول، فيما تتعامل الإمارات معه كمسار بنيوي لاقتصادها العالمي. أما إيران، فتستخدمه كامتداد لعمقها البحري، بينما ترى إسرائيل في أي اضطراب هناك تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وفي الخلفية، تعمل الولايات المتحدة على ضمان حرية الملاحة ومنع روسيا والصين من تثبيت موطئ قدم استراتيجي طويل الأمد، في حين تواصل بكين تعزيز بنيتها البحرية انطلاقاً من قاعدتها في جيبوتي.
وهنا تكشف هجمات الحوثيين بين 2023 و2025 هشاشة هذا النظام المفصلي بوضوح استثنائي. فمجموعة غير حكومية، تعمل بقدرات محدودة، تمكنت من إعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية وإجبار الولايات المتحدة على إعادة تموضع بحري واسع. ما حدث لم يكن تعبيراً عن قوة الحوثيين بقدر ما كان دليلاً على هشاشة البنية الدولية حين تتقاطع الضغوط في نقطة حساسة.
من منظور SCT، لا ينهار النظام المفصلي لأن الدوله ضعيفة، بل لأن القوى الخارجية التي تتنازع السيطرة عليه تتجاوز سقف قدرته الطبيعية على الاستيعاب. وهذا ما تشهده المنطقة اليوم: تنافس خليجي على الموانئ، طموح إثيوبي للوصول إلى البحر، انهيار مؤسسات الدولة في السودان، صراع أميركي–روسي على النفوذ البحري، توسع صيني هادئ، وتعقّد في أمن الملاحة من باب المندب حتى قناة السويس.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز السودان مرة أخرى كعقدة تحدد مستقبل التوازن في البحر الأحمر. فوجود قاعدة روسية قرب بورتسودان — إن تحقق — لن يغيّر فقط خريطة القوة في السودان، بل سيعيد تشكيل اتفاقات الملاحة، ويزيد من حساسية قناة السويس لأي اضطراب، ويرفع من مستوى الاحتكاك بين القوى الكبرى. بمعنى آخر إنّ أي تغيّر في السودان لا يبقى محلياً؛ بل يعيد توجيه الجغرافيا السياسية للبحر كله.
ما يجري اليوم يعكس تحولاً أعمق في النظام الدولي: تراجع الاستقرار الأحادي، صعود منافسة متعددة المسارات، وتحوّل الممرات البحرية إلى مراكز ثقل استراتيجية جديدة. فالبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري؛ أصبح مختبراً لتوازنات القوة في القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل القوة البحرية مع الأمن السيبراني والأقمار الصناعية وأنظمة المراقبة الذكية.
إن قراءة البحر الأحمر كنظام مفصلي ليست توصيفاً تحليلياً فحسب، بل إطاراً لفهم مساراته المستقبلية. فالتنافس على الموانئ هو منافسة على السيطرة على مفاتيح النظام، والصراع في اليمن هو صراع على النفاذ البحري، والخلاف حول السودان هو خلاف على موقعه البنيوي داخل شبكة القوى المتصارعة. ولا يمكن لأي تسوية محلية أن تنجح ما لم تأخذ في الحسبان القوى الخارجية التي تتصادم على نفس الرقعة.
وهنا تبرز ثلاثة سيناريوهات تبدو مرجّحة:
1. تصعيد عسكري مضبوط تتحكم بإيقاعه القوى الإقليمية والدولية.
2. إطار أمني متعدد الأطراف يُفرض من خارج المنطقة.
3. استمرار حالة الاضطراب المنخفض الكثافة بفعل التناقضات البنيوية غير المحسومة.
تحت الرماد: مهما يكن السيناريو الأقرب، فإن استقرار البحر الأحمر لن يُصنع داخل حدوده، بل في الطريقة التي تتقاطع أو تتصادم بها الأنظمة الدولية والإقليمية فوقه. إنّ البحر الأحمر اليوم ليس إستثناءاً إقليمياً؛ بل مرآة للعصر الجديد: عصر السيولة الجيوسياسية، والنزاعات الشبكية، وتحوّل الممرات البحرية إلى مفاصل لإعادة تشكيل القوة العالمية.



إرسال التعليق