عمار نجم الدين : أبوظبي قيت: الفضيحة التي كشفت دولة الإخوان الخفية داخل المعارضة
لم تكن “أبوظبي قيت” مجرد شحنة سلاح خرجت عن السيطرة؛ كانت لحظة انفجار جدارٍ ظلّ مخفيًا لعشرين عامًا. جدار بُني بالحماية والمال والولاءات، وكان يقف خلفه رجال يرتدون قناع “المعارضة” بينما يعملون — في السر — كأذرع ناعمة لمخابرات الإخوان المسلمين. هذه ليست صفقة ذخائر، بل فضيحة دولة داخل الدولة، وأول مرة ينكشف فيها الهيكل الخفي الذي أداره الإخوان داخل المعارضة السودانية طوال عقدين.
صفقة (صلاح أبوظبي) لم تكن صفقة سلاح؛ كانت صفقة ولاءات. فهي خيط واحد جرّ خلفه شبكة كاملة تمتد من مكتب علي كرتي، مرورًا بفلول صلاح قوش، وصولًا لعواصم خليجية موّلت، وغطّت، وأدارت غرفة عمليات سودانية كاملة خارج الضوء. ومع أن السلاح خطير، إلا أن الوسطاء كانوا أخطر: وجوه ظلت لسنوات تتحدث عن الثورة والعدالة والديمقراطية، ثم خرجت فجأة بلسان حكومة بورتسودان، تبرّر الصفقات، وتمهّد للرواية الرسمية، كما فعل أمجد فريد حين قال لواشنطن تايمز إن الحكومة السودانية اشترت أسلحة بشكل “قانوني” من إيران، وإنها ستشتري من أي جهة تساعدها في قتال الدعم السريع. تصريح كهذا لم يجرؤ وزير الدفاع نفسه على قوله، لكنه خرج من ناشط عاش سنوات طويلة على خط ساخن بين المعارضة والأجهزة الأمنية. والفي راسو بطحة… بيحسّ عليها.
لكن القصة أكبر من شخص واحد. فبين لندن وكمبالا ونيروبي وأبوظبي والرياض، تحركت مجموعة من “الناشطين” و“الحقوقيين” كشبكة واحدة، تتلقى تعليمات متقاربة وتؤدي أدوارًا متكاملة: كتابة تقارير تحمي الإخوان في المنظمات الدولية، تسريب اجتماعات المعارضة، تلميع شخصيات مخابراتية، وتهيئة مسرح الاعتقالات بحيث يدخل المناضلون الحقيقيون السجون بينما يخرج المخبرون بغطاء جديد ومساحة إعلام أكبر. كانوا يعيشون كمعارضة، لكنهم يعملون كجهاز أمن… دون أن يخسروا شيئًا. لا اعتقال حقيقي، لا مطاردة، لا اختفاء. فقط رحلات جوية بين العواصم، تُشبه حركة شبكات المافيا أكثر مما تُشبه نشاط مجتمع مدني.
وهنا ظهرت واحدة من أخطر المفاجآت: فبحسب المعلومات الأولية التي تسرّبت من الجهات المختصة في الإمارات، فإن الشبكة التي تم القبض عليها مؤخرًا هناك لم تكن مجموعة عابرة من السماسرة، بل خلية مترابطة تضم سياسيين معارضين، ورجال أعمال نافذين، وضباطًا سابقين في جهاز الأمن السوداني. كانت تعمل كجسرٍ سريّ بين الإخوان المسلمين ومصادر التمويل، وتُدير عمليات تحويل الأموال، وشراء المعدات، وترتيب اللقاءات بعيدًا عن أعين المعارضة نفسها. هذا الاعتقال لم يكشف أفرادًا… بل كشف بنية ظل كاملة كانت تتحرك بين الفنادق والمكاتب والشركات الوهمية، وتعمل تحت حماية سياسية ومالية منذ سنوات. وهو ما يجعل “أبوظبي قيت” أكبر من مجرد ملف سلاح: إنها شبكة ممتدة كان سقوط طرف واحد فيها كافيًا لتهتزّ البنية كلها.
ومع انفجار هذه التفاصيل، بدأ الناس يفهمون لماذا فشلت المعارضة في كل معاركها أمام الإنقاذ: لأن الخيانة لم تكن في القيادة فقط، بل في تفاصيل العمل المدني نفسه، في الاجتماعات التي كانت تتسرب، وفي التقارير التي كانت تُفصَّل لحماية الإخوان، وفي الشلليات التي كانت تهبط من الطائرات لتحمي بعضها البعض، بينما تُقدَّم للجمهور باعتبارها “رموز نضال”.
التحقيقات الجارية في دبي وأبوظبي لا تتعلق بشحنة سلاح واحدة. الدائرة بدأت تضيق حول الحسابات البنكية، الشركات الوهمية، التحويلات المشبوهة، رسائل الواتساب المحذوفة، المكالمات المسجلة، والحقائب الكاش التي تمت مصادرتها. ووفق مصادر قريبة من الملف، فإن ما ظهر حتى الآن لا يتجاوز عشرة بالمائة من الحقيقة، والبقية أخطر وأعمق، وتكشف بنية كاملة اختبأت تحت لافتة المعارضة لسنوات طويلة.
هذه الفضيحة لن تكشف من تاجر بالسلاح فقط؛ بل ستكشف من تاجر بالثورة نفسها. ستفضح من كان يكتب تقارير تحمي الإخوان في مجلس حقوق الإنسان، ومن كان يزوّد صلاح قوش بالمعلومات وهو يرتدي قناع “ثائر”، ومن كان يقبض بالدولار بينما يتحدث باسم الشعب، ومن كان يدير المعارضة كواجهة مدنية لجهاز الأمن. فهذه اللحظة هي الضوء الأول الذي سيسقط على دولة الإخوان العميقة داخل المعارضة. ومع كل يوم يمر، تتساقط أقنعة جديدة، وتتضح أسماء كانت تُدار من الخلف، وتنكشف شبكة ظلت تعمل في صمت وتحت حماية دولية وإقليمية.
ما يجري اليوم ليس ختام قصة، بل بداية سقوط طويل سيعيد كتابة تاريخ المعارضة السودانية من 2005 حتى اليوم. وما ظهر للعلن الآن… ليس سوى رأس جبل الجليد، بينما الجبل الحقيقي لا يزال مخفيًا تحت سطح سنوات طويلة من الاختراق، التواطؤ، والتمثيل السياسي الذي وصل حدّ إدارة “معارضة كاملة” كأداة من أدوات جهاز الأمن.
.



إرسال التعليق