سارة السعيد : تحت الرماد | من واشنطن إلى الفاشر: حكاية هدنة وُلدت ميتة
ما بين قاعات الاجتماعات في واشنطن ورمال الفاشر التي احترقت على وقع القتال، تتكشّف المفارقة الكبرى في الحرب السودانية: السياسة تتحدث عن الهدنة، فيما الميدان يقرّر مصيرها. المفاوضات التي جرت تحت إشراف مستشار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لأفريقيا، مسعد بولس، بدت في بدايتها وكأنها تبعث الأمل في وقف إنساني لإطلاق النار، لكن ما جرى في الفاشر خلال الأيام نفسها جعل كلّ ما قيل في واشنطن بلا جدوى.
في الحقيقة، ما أُطلق عليه “محادثات الرباعية” لم يكن أكثر من محاولة أمريكية متأخرة لاستعادة زمام المبادرة في مشهد فقدت فيه العواصم وزنها أمام الخرائط. الإمارات، التي كانت أحد أضلاع الرباعية، انتقلت من موقع الوسيط إلى موقع الفاعل الميداني، ولم تعد مستعدة لقبول هدنة في مدينة تراها منطقة عمليات عسكرية. عند هذه النقطة، أصبح ميزان القوة على الأرض هو اللغة الوحيدة المفهومة في هذه الحرب، بينما تحوّلت الدبلوماسية إلى ما يشبه طقوس المجاملة لمرحلة انتهت صلاحيتها.
سقوط الفاشر لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب، بل زلزالاً سياسياً أعاد تعريف شبكة التحالفات في دارفور. الجماعات التي كانت حليفة للجيش، من حركة مني أركو مناوي إلى العدل والمساواة، وجدت نفسها بلا غطاء ولا أفق، بعدما انهار الخط الدفاعي وانكشفت هشاشة التحالفات التي صاغها البرهان على عجل. المدينة التي صمدت ثمانية عشر شهراً انهارت في أيام قليلة، لتكشف أن الجيش لم يخسر الأرض فقط، بل خسر معها قاعدته الاجتماعية والإقليمية التي طالما شكّلت له ظهيرا رمزياً. الفاشر لم تسقط بالقوة وحدها، بل بثقل الإنهاك وبعجز المركز عن حماية الهامش الذي حارب باسمه.
في المقابل، استثمرت قوات الدعم السريع انتصارها الميداني لتكريس واقع جديد، واقع تتقدّم فيه كقوة أمر واقع لا يمكن تجاوزها في أي معادلة سياسية مقبلة. غير أن الغرب الذي فقد قدرته على تغيير الوقائع يحاول اليوم إعادة تعريفها، عبر فتح ملفات “الإبادة” و”الجرائم الجماعية” لا بوصفها التزاماً أخلاقياً، بل كورقة ضغط تفاوضية على الطرف المنتصر. الخطاب الإنساني هنا يُستخدم كغطاء لإعادة هندسة النفوذ، لا لتأسيس العدالة.
في خلفية المشهد، تتراجع “الرباعية” كإطار ناظم، لتظهر مبادرات متداخلة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة و”إيغاد”، وكلٌّ يسعى لإثبات وجوده في فضاء سياسي جديد لا يحتمل المركزية. تعدد المرجعيات يعكس مرحلة انتقالية لم تعد فيها الدولة ولا الحرب مركزاً موحداً، بل فضاءاً مفتوحاً تتقاطع فيه مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين على حساب فكرة السيادة نفسها.
من واشنطن إلى الفاشر، يتضح أن الجميع خسر: الدبلوماسية فقدت لغتها، الجيش فقد غطاءه، والغرب فقد قدرته على الإملاء. ما تبقّى هو مشهد يُعاد تشكيله بقواعد جديدة، تُكتب فيه المعادلات بالبندقية وتُترجم بالوقائع. لكن وسط هذا الركام، ثمة سؤالٌ لا يمكن تجاوزه: هل يستطيع السودان أن يولد من جديد خارج منطق القوة العارية، أم سيظلّ عالقاً بين رماد الهدن المجهضة وأوهام الإنقاذ الدولي؟
الفاشر لم تكن مدينة فقط؛ كانت مرآةً تعكس نهاية مرحلة وبداية أخرى، حيث تتقدّم قوى جديدة من تحت الرماد لتعيد تعريف السودان ومعناه، لا بالبيانات ولا بالتحالفات، بل بقدرتها على صياغة شرعية جديدة من بين الأنقاض.



إرسال التعليق