مجدي محمد : هندسة الكتلة الحرجة: كيف نصلح تحالف التأسيس ونطوره؟ - صوت الوحدة

مجدي محمد : هندسة الكتلة الحرجة: كيف نصلح تحالف التأسيس ونطوره؟

مشهد أول

في قاعة احتفالات أنيقة، يقف الزعيم التاريخي لأحد المكونات الرئيسية في “تحالف التأسيس” أمام الميكروفونات. يلوح بيده محتفياً بإطلاق “دستور السودان الجديد”، ويتحدث بحماس عن التبادل السلمي للسلطة، والمؤسسية، والشفافية، ونهاية حقبة التهميش. تصفق له الكاميرات والدبلوماسيون. لكن في الصفوف الخلفية من القاعة نفسها، يجلس شباب تنظيمه في صمت مطبق ومحبط. يدركون المفارقة القاتلة: هذا الزعيم الذي يبشر بالديمقراطية للدولة، يجلس على كرسي رئاسة حزبه (أو حركته) منذ عشرين عاماً دون انتخابات داخلية حقيقية. ميزانية تنظيمه سرية لا يعرفها سوى أمين خزانته الشخصي، وكل من تجرأ على سؤاله عن الإصلاح الداخلي تم فصله بتهمة “شق الصف”. الزعيم يوقع على ميلاد “دولة مدنية حديثة” بقلم ينتمي لـ “دولة 56” العميقة، في مشهد يثبت أن الورق يمكن أن يتحمل كل الشعارات، لكن الواقع لا يرحم التناقضات.

المشكلة الأعمق لا تكمن في هذا التناقض فقط. المشكلة أن تحالف التأسيس نفسه، رغم أهميته التاريخية، وُلد وهو يحمل عيوب النظام القديم الذي يعلن أنه جاء لإسقاطه.

كيف يمكن لكيانات تفتقر للديمقراطية داخل جدرانها أن تبني دولة ديمقراطية خارجها؟ هل “تحالف التأسيس” هو فعلاً قطيعة مع الماضي، أم أنه مجرد تجميع لنسخ مصغرة ومشوهة من “دولة 56″؟ وكيف يمكننا فرض خطة إصلاح طويلة الأمد على هياكل وقواعد ممارسة هذه الكيانات، لنضمن ألا يسرق “حراس الثورة” أنفسهم أحلام التأسيس؟

فالواقع الصريح هو أن كل الكيانات التي تشكل هذا التحالف تفتقر إلى الديمقراطية الداخلية، وتدار بعقلية أبوية مركزية، وتشبه في بنيتها المؤسسية إلى حد كبير دولة 1956 التي يثور الجميع عليها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي هو كيف نصلح أجسام تحالف التأسيس نفسها قبل أن تعيد إنتاج الأزمة التي جاء التحالف لمعالجتها؟

أولاً: وهم النص الدستوري وعمى المؤسسات

الخطوة التي أُنجزت بتشكيل “تحالف التأسيس” وطرح دستور ديمقراطي هي خطوة سياسية ذكية ومهمة، لكنها غير كافية على الإطلاق. الأزمة في السودان لم تكن يوماً في صياغة النصوص القانونية المبهرة. منذ الاستقلال، كُتبت دساتير تتحدث عن الحريات والحقوق، ووُقعت مواثيق سلام تصيغ أجمل العبارات عن العدالة. الخلل البنيوي كان دائماً في “الحوامل المؤسسية” لهذه النصوص. عندما تقوم كيانات تعاني من الاستبداد الداخلي، والشخصنة، والفساد المالي بالتوقيع على وثيقة ديمقراطية، فإنها لا تُغير طبيعتها، بل تُغير فقط واجهتها التسويقية.

الأحزاب السياسية، والحركات المسلحة، وحتى بعض واجهات المجتمع المدني التي شكلت التحالف، هي في جوهرها انعكاس سيكولوجي وهيكلي لـ “دولة 56”. تدير هذه الأجسام شؤونها بالمركزية القابضة، وتهميش الأطراف داخل التنظيم نفسه. القرارات الاستراتيجية لا تُتخذ في لجان مركزية منتخبة بشفافية، بل تُطبخ في غرف مغلقة بين مجموعة صغيرة من النخب. القيادة التاريخية تحتكر التفاوض، وتوزع المناصب على دائرة الولاء الضيقة مشاريع (الفلنقايات الجدد)، وتستخدم التمويل كأداة لتركيع المعارضين في الداخل. هذه الكيانات لا تمارس السياسة، بل تمارس “الهندسة الاجتماعية” المصغرة للحفاظ على مراكز القوى القديمة تحت لافتات ثورية جديدة. الاعتماد على هذه الأجسام لبناء “السودان الجديد” دون إخضاعها لجراحة داخلية، يشبه محاولة بناء مستشفى حديث باستخدام أدوات جراحية ملوثة بالوباء.

ثالثاً: خطر “التأجيل التكتيكي” للإصلاح الداخلي

تواجه أي دعوة لإصلاح هياكل التحالف بحجة كلاسيكية جاهزة ومستهلكة: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، دعونا نسقط النظام القديم أولاً، ثم نتفرغ للديمقراطية الداخلية لاحقاً”. هذا “التأجيل التكتيكي” هو أكبر خديعة سياسية يُمررها القادة لتأبيد سيطرتهم. التاريخ السياسي يثبت أن الحركات والأحزاب لا تتغير فجأة نحو الديمقراطية بعد وصولها إلى السلطة. على العكس تماماً؛ السلطة تُعزز أسوأ ما في هذه التنظيمات، وتمنح قادتها الموارد الكافية لسحق أي تململ إصلاحي داخلي.

التأجيل التكتيكي للإصلاح الداخلي يعني أننا نسمح للقادة باختطاف تمثيل الشارع دون أي آليات رقابة أو محاسبة. عندما يدخل هذا التحالف في مفاوضات لاستلام السلطة، أو اذا انتصر عسكريا، من سيضمن أن هؤلاء القادة لن يبيعوا مبادئ الدستور التأسيسي مقابل مناصب ومصالح شخصية؟

التنظيم الذي يفتقر للقواعد الديمقراطية يُنتج قادة لا يخافون من قواعدهم الشعبية، وبالتالي يسهل شراؤهم من قبل المليشيات أو المحاور الإقليمية. الإصلاح الهيكلي داخل التحالف ليس ترفاً أكاديمياً نؤجله لما بعد الانتصار، بل هو السلاح الوحيد لضمان عدم تعرض الثورة للطعن من الخلف بواسطة قادتها. إذا لم نصلح عربة القطار الآن، فلن تصل أبداً إلى محطة الديمقراطية الموعودة.

ثالثاً: تفكيك “الأبوية السياسية” وإصلاح قواعد الممارسة .

يتطلب إصلاح “تحالف التأسيس” خطة طويلة الأمد تعمل على تفكيك “الأبوية السياسية” التي تسيطر على العقل الجمعي السوداني. الأحزاب والحركات في السودان لا تُعامل مؤسساتياً، بل تُعامل كملكيات حصرية لـ “الزعيم الملهم” أو “البيوتات الطائفية”. لإنهاء هذا العبث، يجب الانتقال من العمل بنظام “الولاء للأفراد” إلى “الولاء للإجراءات”.

تبدأ خطة الإصلاح بإجبار كل مكونات التحالف على تفعيل “الديمقراطية الدورية الإلزامية”. لا ينبغي أن يُعترف بأي مكون سياسي ضمن التحالف إذا تجاوز قائده فترتين تنظيميتين متتاليتين في رئاسة الكيان. يجب كسر احتكار القيادة بقوة اللوائح. ثانياً، يجب إخضاع كل القرارات السيادية للتحالف (كالتوقيع على تسويات، أو ترشيح وزراء) لتصويت قاعدي شفاف يشارك فيه المندوبون، وليس لقرار فردي يصدره رئيس الحزب أو الحركة. ثالثاً، التأسيس للفيدرالية التنظيمية داخل الأجسام نفسها. الإقليم الذي ينتمي إليه أعضاء الحزب يجب أن يكون له الحق الحصري في ترشيح ممثليه، بدلاً من قيام المكتب السياسي في الخرطوم بتعيين ممثلين صوريين عن الأطراف. إصلاح قواعد الممارسة يعني تجريد القيادة من صكوك الغفران، وجعل المنصب القيادي داخل التحالف وظيفة خاضعة للرقابة والتقييم، لا زعامة تاريخية مقدسة.

رابعاً: الشفافية المالية وتجفيف “اقتصاديات الولاء”

لا يمكن الحديث عن الديمقراطية الداخلية دون وضع اليد على عصب السلطة: المال.

التنظيمات المكونة لـ “تحالف التأسيس” تعاني من تعتيم مالي شامل.

تاريخيا كانت الحركات المسلحة تدير اقتصاداً موازياً يشمل الاستثمار في التعدين والتهريب، والأحزاب التقليدية تتلقى تمويلات غير معلنة من رجال أعمال يمثلون “الرأسمالية الطفيلية” أو من أجهزة استخبارات إقليمية. هذا التمويل المشبوه يُستخدم لشراء الولاءات داخل الكيان، وتمويل الحملات الإعلامية، وتهميش القيادات الشابة المستقلة.

الإصلاح المالي داخل التحالف هو الخطوة الأولى لإنهاء سيطرة اقتصاد “النهب المصلح” على القرار السياسي. يجب أن يتبنى “تحالف التأسيس” ميثاقاً للشفافية المالية الإجبارية. يُلزم هذا الميثاق كل جسم سياسي بنشر ميزانيته السنوية علناً، وتحديد مصادر تمويله بشفافية مطلقة. أي حزب أو حركة ترفض كشف مصادر تمويلها تُجرد من حق التصويت داخل التحالف، لأن قرارها لم يعد قراراً وطنياً مستقلاً. بالإضافة إلى ذلك، يجب فصل “السلطة التنفيذية” للحزب أو الحركة عن “إدارة الخزينة والموارد”، عبر تكوين أجهزة رقابة مالية داخلية لا تخضع لسلطة الزعيم. عندما تجفف “اقتصاديات الولاء” داخل الأحزاب، تنهار الدكتاتوريات المصغرة تلقائياً، وتُفتح الأبواب لصعود قيادات كفؤة لا تمتلك أرصدة بنكية لشراء الأصوات.

خامساً: الدرس المقارن: الجبهة الساندينية في نيكاراغوا مقابل المؤتمر الوطني الأفريقي

لمعرفة مآلات الثورات التي تتجاهل إصلاح أدواتها، يقدم لنا التاريخ درسين بليغين. في نيكاراغوا، قادت الجبهة الساندينية (FSLN) ثورة شعبية مسلحة أطاحت بالدكتاتور الفاسد سوموزا عام 1979. كان الساندينيون يطرحون وثائق دستورية تقدمية ومبهرة، وحظوا بدعم شعبي هائل. لكنهم رفضوا إصلاح هيكلهم الداخلي، وتجاهلوا الديمقراطية داخل الجبهة بحجة مواجهة التدخلات الخارجية و”الكونترا”. النتيجة؟ سيطر القائد دانييل أورتيغا على مفاصل الجبهة، طرد كل رفاقه الإصلاحيين، وحول الحزب الثوري إلى ملكية عائلية، ليصبح فيما بعد دكتاتوراً أشد قسوة وفساداً من سوموزا نفسه. أورتيغا هو نتاج طبيعي لتنظيم رفض الديمقراطية الداخلية.

في المقابل، ورغم بعض الإخفاقات اللاحقة، كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) في جنوب أفريقيا يمتلك وعياً مؤسسياً أفضل خلال فترة التحرر. رغم وجود مانديلا بزعامته الكاريزمية، كان الحزب يمتلك لجاناً مركزية حقيقية تتجادل وتصوت وترفض قرارات القائد أحياناً. لم يسمح الحزب لشخصنة التنظيم أن تلغي دور المؤسسة، مما مكنه من إدارة انتقال معقد بأقل الخسائر، وأجبر قادته لاحقاً (مثل ثابو مبيكي وجاكوب زوما) على التنحي عندما قررت الأطر التنظيمية ذلك.

الدرس حاسم للسودان: التحالف الذي يُدار بعقلية “أورتيغا” سينتج طغياناً جديداً لا محالة، والتحالف الذي يُصلح نفسه مؤسسياً هو وحده القادر على بناء دولة المواطنة.

أسياد البيت الجدد

في أحد مقرات “لجان المقاومة” بأحد الأحياء الطرفية، يجلس شاب جامعي نذر شبابه لمقاومة الاستبداد. يمسك بهاتفه ويقرأ بيان “تحالف التأسيس” ثم يضحك بمرارة. بدارجة سودانية مشبعة بالوعي والإحباط معاً يقول: “الكلام السمح في الورق ده ما بنبني بيهو بلد. الزول (داك) الموقع على الورقة دي، أنا بعرف حزبه كويس.. لو خالفته في رأي في قروب واتساب بتاع الحزب بفصلك طوالي ويقول عليك مدسوس. ديل دايرين يشيلوا العسكر عشان يقعدوا هم أسياد بيت، ما عشان يغيروا سيستم البلد. الفاقد الديمقراطية جوه بيتو، ما بيديها للناس في الشارع”.

هذا الشاب يمثل الوعي الكامن في “الكتلة الحرجة”. هو لا تخدعه النصوص الدستورية المنمقة، لأنه يرى الممارسة القمعية اليومية للكيانات التي صاغتها. هذا الصوت يثبت أن الشارع تجاوز مرحلة الانبهار بالشعارات، وبدأ يطالب بمطابقة “سلوك القيادة” مع “نصوص الميثاق”. القاعدة الشعبية أصبحت تدرك أن تغيير الوجوه دون تغيير آليات العمل هو مجرد إعادة تدوير للكارثة بألوان مختلفة.

المقترح التأسيسي: مفوضية الحوكمة الديمقراطية للتحالف

للخروج من دائرة النقد إلى مربع الهندسة المؤسسية، يجب فرض رقابة هيكلية صارمة على كيانات التحالف نفسه.

الإجراء: إدراج بروتوكول ملزم ضمن ميثاق “تحالف التأسيس” يُسمى “بروتوكول الحوكمة الداخلية”، يُلزم جميع الأطراف الموقعة بتطبيق معايير الديمقراطية، تداول القيادة، والشفافية المالية كشرط أولي للبقاء في التحالف والحصول على حصة في السلطة الانتقالية.

المؤسسة: تكوين “مفوضية الحوكمة والامتثال” كجسم مستقل داخل التحالف، يتألف من شخصيات قانونية وممثلين مستقلين من النقابات المهنية ولجان المقاومة. تقوم المفوضية بمراجعة دورية لمدى التزام الأحزاب والحركات بالديمقراطية الداخلية والكشف المالي.

معيار النجاح:

التجميد التلقائي لعضوية أي تنظيم يسقط في اختبار الشفافية المالية أو يتجاوز قادته الحد الزمني المقرر (دورتين تنظيميتين)، وحرمانه التام من المشاركة في تشكيل أو إدارة أي حكومة انتقالية أو ترشيح وزراء.

القاعدة الملزمة:

الكيان الذي يمارس الاستبداد والسرية داخل جدرانه، لا يمكنه بناء دولة ديمقراطية وشفافة خارجها.

الخاتمة :

هذا هو الامتحان المكشوف. نحن الآن نعرف جذور الأزمة بدقة، ونمتلك الإجابات المؤسسية الصارمة لها، وندرك عيوبنا الذاتية وعطب أدواتنا. زال عذر الجهل، وسقطت ورقة التوت عن الكليبتوقراطية، وعن المليشيات، وعن المجتمع الدولي، وحتى عن نخبنا المعارضة التي تُشبه جلاديها. لم يتبقَ أمامنا سوى شجاعة التنفيذ والمواجهة المزدوجة: تفكيك النظام القديم، وتطهير أدوات التأسيس الجديد. إما أن نبني تحالفاً معافى ليؤسس دولة المواطنة والإنتاج الحقيقي، وإما أن ننتظر بخنوع دورة جديدة من الدماء يكتبها جنرال آخر مدعوم بنخبة انتهازية. الخيار، ولأول مرة في تاريخنا، بين أيدينا نحن وحدنا.

إرسال التعليق

لقد فاتك